البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٦ - قصة مدين قوم شعيب (عليه السلام)
(فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ (وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها) أمرهم بالعدل و نهاهم عن الظلم و توعدهم على خلاف ذلك فقال (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ) أي طريق (توعدون) أي تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس و غير ذلك و تخيفون السبل* قال السدي في تفسيره عن الصحابة (وَ لا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ) أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة* و قال إسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال كانوا قوما طغاة بغاة يجلسون على الطريق (يبخسون الناس) يعنى يعشرونهم و كانوا أول من سن ذلك (وَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ تَبْغُونَها عِوَجاً) فنهاهم عن قطع الطريق الحسية الدنيوية و المعنوية الدينية (وَ اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) ذكرهم بنعمة اللَّه تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة و حذرهم نقمة اللَّه بهم إن خالفوا ما أرشدهم اليه و دلهم عليه كما قال لهم في القصة الأخرى (وَ لا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ) أي لا تركبوا ما أنتم عليه و تستمروا فيه فيمحق اللَّه بركة ما في أيديكم و يفقركم و يذهب ما به يغنيكم و هذا مضاف إلى عذاب الآخرة و من جمع له هذا و هذا فقد باء بالصفقة الخاسرة فنهاهم أولا عن تعاطى ما لا يليق من التطفيف و حذرهم سلب نعمة اللَّه عليهم في دنياهم و عذابه الأليم في أخراهم و عنفهم أشد تعنيف. ثم قال لهم آمرا بعد ما كان عن ضده زاجرا (وَ يا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) قال ابن عباس و الحسن البصري (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) أي رزق اللَّه خير لكم من أخذ أموال الناس* و قال ابن جرير ما فضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل و الميزان خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف. قال و قد روى هذا عن ابن عباس و هذا الّذي قاله و حكاه حسن و هو شبيه بقوله تعالى قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ يعنى ان القليل من الحلال خير لكم من الكثير من الحرام فان الحلال مبارك و ان قل و الحرام ممحوق و ان كثر كما قال تعالى يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَ يُرْبِي الصَّدَقاتِ و
قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) (ان الربا و ان كثر فان مصيره الى قل)
رواه أحمد أي الى قلة و
قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فان صدقا و بينا بورك لهما في بيعهما و إن كتما و كذبا محقت بركة بيعهما
* و المقصود أن الربح الحلال مبارك فيه و ان قل و الحرام لا يجدي و ان كثر و لهذا قال نبي اللَّه شعيب (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) و قوله (وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه اللَّه و رجاء ثوابه لا لأراكم انا و غيري (قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) يقولون هذا على سبيل الاستهزاء و التنقص و التهكم أ صلوتك هذه التي تصليها هي الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد الا إلهك