البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٥ - ذكر بناية البيت العتيق
و المقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع في واد غير ذي زرع و دعا لأهلها بالبركة و أن يرزقوا من الثمرات مع قلة المياه و عدم الأشجار و الزروع و الثمار و أن يجعله حرما محرما و آمنا محتما فاستجاب اللَّه و له الحمد له مسألته و لبى دعوته و أتاه طلبته فقال تعالى أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ و قال تعالى أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا و سأل اللَّه أن يبعث فيهم رسولا منهم أي من جنسهم و على لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة لتتم عليهم النعمتان الدنيوية و الدينية سعادة الأولى و الأخرى. و قد استجاب اللَّه له فبعث فيهم رسولا و أي رسول ختم به أنبياءه و رسله و أكمل له من الدين ما لم يؤت أحدا قبله و عم بدعوته أهل الأرض على اختلاف أجناسهم و لغاتهم و صفاتهم في سائر الأقطار و الأمصار و الأعصار الى يوم القيامة و كان هذا من خصائصه من بين سائر الأنبياء لشرفه في نفسه و كمال ما أرسل به و شرف بقعته و فصاحة لغته و كمال شفقته على أمته و لطفه و رحمته و كريم محتده و عظيم مولده و طيب مصدره و مورده و لهذا استحق إبراهيم الخليل (عليه السلام) إذ كان باني الكعبة لأهل الأرض أن يكون منصبه و محله و موضعه في منازل السموات و رفيع الدرجات عند البيت المعمور الّذي هو كعبة أهل السماء السابعة المبارك المبرور الّذي يدخله كل يوم سبعون الفا من الملائكة يتعبدون فيه. ثم لا يعودون اليه الى يوم البعث و النشور و قد ذكرنا في التفسير من سورة البقرة صفة بناية البيت و ما ورد في ذلك من الأخبار و الآثار بما فيه كفاية فمن أراده فليراجعه ثم و للَّه الحمد* فمن ذلك ما قال السدي لما أمر اللَّه إبراهيم و إسماعيل أن يبنيا البيت ثم لم يدريا اين مكانه حتى بعث اللَّه ريحا يقال له الخجوج لها جناحان و رأس في صورة حية فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول و اتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس و ذلك حين يقول تعالى وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ فلما بلغا القواعد بنيا الركن قال إبراهيم لإسماعيل يا بنى اطلب لي الحجر الأسود من الهند و كان ابيض ياقوتة بيضاء مثل النعامة و كان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن. فقال يا أبتي من جاءك بهذا قال جاء به من هو انشط منك فبنيا و هما يدعوان اللَّه (رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) و ذكر ابن أبى حاتم أنه بناه من خمسة اجبل و أن ذا القرنين و كان ملك الأرض إذ ذاك مر بهما و هما يبنيانه فقال من أمركما بهذا فقال إبراهيم اللَّه أمرنا به فقال و ما يدريني بما تقول فشهدت خمسة اكبش انه أمره بذلك فآمن و صدق* و ذكر الأزرقي أنه طاف مع الخليل بالبيت و قد كانت على بناء الخليل مدة طويلة ثم بعد ذلك بنتها قريش فقصرت بها عن قواعد إبراهيم من جهة الشمال مما يلي الشام على ما هي عليه اليوم* و
في الصحيحين من حديث مالك عن ابن شهاب عن سالم أن عبد اللَّه بن محمد بن أبى بكر أخبر بن عمر عن عائشة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال أ لم ترى الى قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم فقلت يا رسول