البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٤ - ذكر بناية البيت العتيق
لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ أي أول بيت وضع لعموم الناس للبركة و الهدى البيت الّذي ببكة* قيل مكة و قيل محل الكعبة (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ) أي على أنه بناء الخليل والد الأنبياء من بعده و إمام الحنفاء من ولده الذين يقتدون به و يتمسكون بسنته و لهذا قال (مَقامِ إِبْراهِيمَ) أي الحجر الّذي كان يقف عليه قائما لما ارتفع البناء عن قامته فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ليرتفع عليه لما تعالى البناء و عظم الفناء كما تقدم في حديث ابن عباس الطويل. و قد كان هذا الحجر ملصقا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان الى أيام عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه فاخره عن البيت قليلا لئلا يشغل المصلين عنده الطائفين بالبيت و اتبع عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه في هذا فإنه قد وافقه ربه في أشياء منها في قوله لرسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فأنزل اللَّه وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى و قد كانت آثار قدمي الخليل باقية في الصخرة الى أول الإسلام و قد قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة.
و ثور و من أرسى ثبيرا مكانه* * * وراق لبر في حراء و نازل [١]
و بالبيت حق البيت من بطن مكة* * * و باللَّه إن اللَّه ليس بغافل
و بالحجر المسود إذ يمسحونه* * * إذ اكتنفوه بالضحى و الأصائل
و موطئ إبراهيم في الصخر رطبة* * * على قدميه حافيا غير ناعل
يعنى أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافية لا منتعلة و لهذا قال تعالى وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ أي في حال قولهما رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فهما في غاية الإخلاص و الطاعة للَّه عز و جل و هما يسألان من اللَّه السميع العليم أن يتقبل منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة و السعي المشكور (رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
[١] قال في المعجم بعد بيان معنى ثور أنه الجبل الّذي فيه الغار. و قال أبو طالب عم النبي (عليه السلام).
أعوذ برب الناس من كل طاعن* علينا بشرّ أو ملح بباطل* و من كاشح يسعى لنا بمعيبة* و من مفتر في الدين ما لم يحاول* و ثور و من أرسى ثبيرا مكانه* و عير وراق (١) في حراء و نازل. و قال الجوهري ثور جبل بمكة و فيه الغار المذكور في القرآن الى أن قال صاحب المعجم أيضا و قد قيل إن بمكة أيضا جبل اسمه عير و يشهد بذلك بيت أبى طالب المذكور فإنه ذكر جبال مكة و ذكر فيها عيرا فيكون المعنى أن حرم المدينة مقدار ما بين عير الى ثور اللذين بمكة أو حرم المدينة تحريما مثل تحريم ما بين عير و ثور بمكة بحذف المضاف و إقامة المضاف اليه مقامه و وصف المصدر المحذوف إلخ (١) قوله و عير وراق هكذا في المعجم. و ما في القصيدة المطبوعة بالاستانة و الأصول التي بأيدينا وراق لبر. و البر العبادة