البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٢ - ذكر مولد إسحاق (عليه السلام)
تلد لك غلاما و تدعو اسمه إسحاق الى مثل هذا الحين [١] من قابل و أوثقه ميثاقي الى الدهر و لخلفه من بعده و قد استجبت لك في إسماعيل و باركت عليه و كبرته و نميته جدا كثيرا و يولد له اثنا عشر عظيما و أجعله رئيسا لشعب عظيم* و قد تكلمنا على هذا بما تقدم و اللَّه أعلم. فقوله تعالى فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ دليل على أنها تستمتع بوجود ولدها إسحاق ثم من بعده بولد ولده يعقوب أي يولد في حياتهما لتقر أعينهما به كما قرت بولده. و لو لم يرد هذا لم يكن لذكر يعقوب و تخصيص التنصيص عليه من دون سائر نسل إسحاق فائدة و لما عين بالذكر دل على انهما يتمتعان به و يسران بولده كما سرا بمولد أبيه من قبله و قال تعالى وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا و قال تعالى فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ و هذا ان شاء اللَّه ظاهر قوى و يؤيده ما ثبت
في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش عن إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه عن أبى ذر قال قلت يا رسول اللَّه أي مسجد وضع أول قال المسجد الحرام قلت ثم أي قال المسجد الأقصى. قلت كم بينهما قال أربعون سنة قلت ثم أي قال ثم حيث أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد.
و عند أهل الكتاب أن يعقوب (عليه السلام) هو الّذي أسس المسجد الأقصى و هو مسجد إيليا بيت المقدس شرفه اللَّه. و هذا متجه و يشهد له ما ذكرناه من الحديث فعلى هذا يكون بناء يعقوب و هو إسرائيل (عليه السلام) بعد بناء الخليل و ابنه إسماعيل المسجد الحرام بأربعين سنة سواء و قد كان بناؤهما ذلك بعد وجود إسحاق لأن إبراهيم (عليه السلام) لما دعا قال في دعائه كما قال تعالى وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ. رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ. رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ وَ ما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ. رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ. و ما جاء في الحديث من أن سليمان بن داود (عليهما السلام) لما بنى بيت المقدس سأل اللَّه خلالا ثلاثا كما ذكرناه عند قوله (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) و كما سنورده في قصته فالمراد من ذلك و اللَّه أعلم أنه جدد بناءه كما تقدم من أن بينهما أربعين سنة و لم يقل أحد إن بين سليمان و إبراهيم أربعين سنة سوى ابن حبان في تقاسيمه و أنواعه و هذا القول لم يوافق عليه و لا سبق اليه
[١] قوله الى مثل إلخ كذا بالأصول و لعل الصواب في مثل إلخ محمود لإمام