البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٧ - ذكر ثناء اللَّه و رسوله الكريم على عبده و خليله إبراهيم
الآية. فكل كتاب أنزل من السماء على نبي من الأنبياء بعد إبراهيم الخليل فمن ذريته و شيعته. و هذه خلعة سنية لا تضاهي و مرتبة عليه لا تباهي. و ذلك أنه ولد له لصلبه ولدان ذكران عظيمان إسماعيل من هاجر ثم إسحاق من سارة و ولد لهذا يعقوب و هو إسرائيل الّذي ينتسب اليه سائر أسباطهم فكانت فيهم النبوة و كثروا جدا بحيث لا يعلم عددهم الا الّذي بعثهم و اختصهم بالرسالة و النبوة حتى ختموا بعيسى ابن مريم من بنى إسرائيل و أما إسماعيل (عليه السلام) فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها كما سنبينه فيما بعد ان شاء اللَّه تعالى و لم يوجد من سلالته من الأنبياء سوى خاتمهم على الإطلاق و سيدهم و فخر بنى آدم في الدنيا و الآخرة محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي المكيّ ثم المدني (صلوات اللَّه و سلامه عليه) فلم يوجد من هذا الفرع الشريف و الغصن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة و الدرة الزاهرة و واسطة العقد الفاخرة و هو السيد الّذي يفتخر به أهل الجمع و يغبطه الأولون و الآخرون يوم القيامة. و قد ثبت عنه في صحيح مسلم كما سنورده أنه قال (سأقوم مقاما يرغب الى الخلق كلهم حتى إبراهيم) فمدح إبراهيم آباءه مدحة عظيمة في هذا السياق. و دل كلامه على أنه أفضل الخلائق بعده عند الخلاق في هذه الحياة الدنيا و يوم يكشف عن ساق* و
قال البخاري حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن منصور عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يعوذ الحسن و الحسين و يقول أن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل و إسحاق. أعوذ بكلمات اللَّه التامة. من كل شيطان و هامة و من كل عين لامة. و رواه أهل السنن من حديث منصور به
و قال تعالى وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً. وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ذكر المفسرون لهذا السؤال أسبابا بسطاناها في التفسير. و قررناها بأتم تقرير* و الحاصل أن اللَّه عز و جل أجابه الى ما سأل فأمره أن يعمد الى أربعة من الطيور و اختلفوا في تعينها على أقوال و المقصود حاصل على كل تقدير فأمره أن يمزق لحومهن و ريشهن و يخلط ذلك بعضه في بعض ثم يقسمه قسما و يجعل على كل جبل منهن جزأ ففعل ما أمر به ثم أمر أن يدعوهن باذن ربهن فلما دعاهن جعل كل عضو يطير الى صاحبه و كل ريشة تأتى الى أختها حتى اجتمع بدن كل طائر على ما كان عليه و هو ينظر الى قدرة الّذي يقول للشيء كن فيكون فأتين اليه سعيا ليكون أبين له و أوضح لمشاهدته من أن يأتين طيرانا* و يقال إنه أمر أن يأخذ رءوسهن في يده فجعل كل طائر يأتى فيلقى رأسه فيتركب على جثته كما كان فلا إله الا اللَّه و قد كان إبراهيم (عليه السلام) يعلم قدرة اللَّه تعالى على احياء الموتى علما يقينيا لا يحتمل النقيض و لكن أحب أن يشاهد ذلك عيانا و يترقى من علم اليقين الى عين اليقين فأجابه اللَّه الى سؤاله و أعطاه غاية مأموله* و قال تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَ ما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ