البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٣ - ذكر بناية البيت العتيق
ذكر بناية البيت العتيق
قال اللَّه تعالى وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَ عَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ و قال تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ. فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً. وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و قال تعالى وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ. قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً. قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَ عَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ. وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يذكر تعالى عن عبده و رسوله و صفيه و خليله إمام الحنفاء و والد الأنبياء عليه أفضل صلاة و تسليم أنه بنى البيت العتيق الّذي هو أول مسجد وضع لعموم الناس يعبدون اللَّه فيه و بوأه اللَّه مكانه أي أرشده اليه و دله عليه* و قد روينا عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب و غيره أنه ارشد اليه بوحي من اللَّه عز و جل. و قد قدمنا في صفة خلق السموات أن الكعبة بحيال البيت المعمور بحيث أنه لو سقط لسقط عليها و كذلك معابد السموات السبع كما قال بعض السلف إن في كل سماء بيتا يعبد اللَّه فيه أهل كل سماء و هو فيها كالكعبة لأهل الأرض فأمر اللَّه تعالى إبراهيم (عليه السلام) أن يبنى له بيتا يكون لأهل الأرض كتلك المعابد لملائكة السموات و أرشده اللَّه الى مكان البيت المهيأ له المعين لذلك منذ خلق السموات و الأرض كما ثبت في الصحيحين أن هذا البلد حرمه اللَّه يوم خلق السموات و الأرض فهو حرام بحرمة اللَّه الى يوم القيامة و لم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل (عليه السلام)* و من تمسك في هذا بقوله مكان البيت فليس بناهض و لا ظاهر لأن المراد مكانه المقدر في علم اللَّه المقرر في قدرته المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم الى زمان إبراهيم* و قد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة و أن الملائكة قالوا له قد طفنا قبلك بهذا البيت و أن السفينة طافت به أربعين يوما أو نحو ذلك و لكن كل هذه الاخبار عن بنى إسرائيل* و قد قررنا أنها لا تصدق و لا تكذب فلا يحتج بها فأما إن ردها الحق فهي مردودة. و قد قال اللَّه تعالى إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ