البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٦ - قصة صالح (عليه السلام) نبي ثمود
يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه. منها انهم خالفوا اللَّه و رسوله في ارتكابهم النهى الأكيد في عقر الناقة التي جعلها اللَّه لهم آية. و منها أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم فاستحقوه من وجهين* أحدهما الشرط عليهم في قوله (وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ) و في آية عظيم و في الأخرى اليم و الكل حق* و الثاني استعجالهم على ذلك* و منها أنهم كذبوا الرسول الّذي قد قام الدليل القاطع على نبوته و صدقه و هم يعلمون ذلك علما جازما و لكن حملهم الكفر و الضلال و العناد على استبعاد الحق و وقوع العذاب بهم* قال اللَّه تعالى فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ و ذكروا أنهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا عليها قدار بن سالف لعنه اللَّه فعرقبها فسقطت الى الأرض ثم ابتدروها بأسيافهم يقطعونها فلما عاين ذلك سقبها و هو ولدها شرد عنهم فعلا أعلى الجبل هناك و رغا ثلاث مرات فلهذا قال لهم صالح (تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) أي غير يومهم ذلك فلم يصدقوه أيضا في هذا الوعد الأكيد بل لما أمسوا هموا بقتله و أرادوا فيما يزعمون أن يلحقوه بالناقة (قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ) أي لنكبسنه في داره مع أهله فلنقتلنه ثم نجحدنّ قتله و ننكرنّ ذلك أن طالبنا أولياؤه بدمه. و لهذا قالوا. (ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَ إِنَّا لَصادِقُونَ) قال اللَّه تعالى وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنا مَكْراً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَ قَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ و ذلك أن اللَّه تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم سلفا و تعجيلا قبل قومهم و أصبحت ثمود يوم الخميس و هو اليوم الأول من أيام النظرة و وجوههم مصفرة كما أنذرهم صالح (عليه السلام) فلما أمسوا نادوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل.
ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل. و هو يوم الجمعة و وجوههم محمرة فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى يومان من الأجل. ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع و هو يوم السبت و وجوههم مسودة فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى الأجل فلما كان صبيحة يوم الأحد تحنطوا و تأهبوا و قعدوا ينتظرون ما ذا يحل بهم من العذاب و النكال و النقمة لا يدرون كيف يفعل بهم و لا من أي جهة يأتيهم العذاب فلما أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم و رجفة شديدة من أسفل منهم ففاضت الأرواح و زهقت النفوس و سكنت الحركات و خشعت الأصوات و حقت الحقائق فأصبحوا في دارهم جاثمين جثثا لا أرواح فيها و لا حراك بها. قالوا و لم يبق منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة و اسمها كلبة ابنة السلق. و يقال لها الذريعة و كانت شديدة الكفر و العداوة لصالح (عليه السلام) فلما رأت العذاب أطلقت رجلاها فقامت تسعى كاسرع شيء فأتت حيا من العرب فأخبرتهم بما رأت و ما حل بقومها و استسقتهم ماء فلما شربت ماتت. قال اللَّه تعالى كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أي لم يقيموا فيها في سعة و رزق و غناء (أَلا إِنَ