دعوة الى الإصلاح الديني و الثقافي - الجواهري، الشيخ حسن - الصفحة ٤٦٤ - ملحق رقم(٤) الإقتداء بعلي والأئمة من بعده عليهم السلام إقتداء بمثل الإسلام العليا
علم لو بُحت به لاضطربتم إضطراب الأرْشِية[١] في الطّوِيِ[٢] البعيدة[٣].
أقول: في هذا النصّ المتقدم يبين الإمام عليّ عليه السلام عدم المصلحة في إيقاع الفتنة بين المسلمين بعد مبايعة الأوّل، حيث إنّ الخلافة التي يسعى لها عليه السلام وقاطع القوم في بداية ذودها عنه إنّما هي طريق لأجل عدم انحراف الامّة عن الإسلام وانتفاع العالم باسره منها، وأمّا إذا أراد القوم أن يجعلوها وبالًا وفتنة وتفريقاً بين المسلمين بعد تمامية الأمر للأوّل، فعليّ عليه السلام يقف منهم موقف الرادع، لهم الزاهد فيها كما يقول:
إنَّها أهون عليّ من هذا النعل إلّاأنْ اقيم حقّاً أو أدفع باطلًا
. وهكذا الصفاء الروحي السليم والفكر الرحب العظيم الذي اتصف به عليّ عليه السلام، لم يكن إلّالخدمة الإسلام والمسلمين.
المورد الثاني: «تحذير الإمام من اتّباع الهوى وطول الأمل» ومنكلام له عليه السلام يحذّر من هاتين الصفتين في الدنيا يقول:
أيّها الناس إنَّ أخوف ما أخاف عليكم إثنان، اتّباع الهوى وطول الأمل، فأمّا اتّباع الهوى فيصُدّ عن الحقّ، وأمّا طول الأمل فيُنسي الآخرة. ألَا وإنَّ الدنيا قد ولّت حذّاء[٤] فلم يبق منها إلّاصبابة كصبابة الإناء اصطبَّها صابُّها، ألا وإنَّ الآخرة قد أقبلت ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنَّ كل ولدٍ سيلحق بامّه يوم القيامة، وإنَّ اليوم عملٌ ولا حساب وغداً حساب ولا عمل[٥].
هذه هي النفس المطمئنة المعتقدة بالآخرة وبالجزاء الاخروي، فإذا ضممنا لها إطلاعها على معالم الشريعة والأخلاق الحسنة النبوية بصورة كاملة وحبّها
[١] - الأرشية: جمع رشاء وهو الحبل.
[٢] - الطَّويّ: جمع طويّة وهي البئر. والبئر البعيدة: العميقة.
[٣] - رقم الخطبة- من نهج البلاغة تحقيق وتنظيم د. صبحي الصالح طبعة ١٣٨٧ ه.
[٤] - الحذّاء: السريعة. ومن الناس من يرويه جذّاء.
[٥] - نهج البلاغة، الخطبة: رقم( ٤٢) تحقيق: د. صبحي الصالح.