دعوة الى الإصلاح الديني و الثقافي - الجواهري، الشيخ حسن - الصفحة ٤٦٨ - ملحق رقم(٤) الإقتداء بعلي والأئمة من بعده عليهم السلام إقتداء بمثل الإسلام العليا
وتقنع بالملح مأدوماً، ولأَدعَنَّ مقلتي كعين ماء نضَبَ معينها، مُستفِرغة دُمُوعها. أتمتليء السائمة من رعيها فتبرُك؟ وتشبع الربيضة من عُشبها فتربضَ؟ ويأكل عليٌّ من زاده فيهجعَ؟
قرّت إذن عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعيّة.
طوبى لنفسٍ أدّت إلى ربِّها فرضَها، وعركت بجنبها بُؤسها، وهجرت في الليل غمضَها، حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها وتوسدت كفّها، في معشرٍ أسهَرَ عيونَهم خوف معادِهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبُهُم، وهمهمتْ بذكر ربهم شفاهُهم، وتقشعتْ بطول استغفارِهم ذنوبهُم أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
فاتق اللَّه يابن حنيف، ولتكفِكَ أقراصُك، ليكون من النار خلاصُك[١].
أقول: إنَّ هذه الطريقة الزاهدة في الدنيا من قبل خبير بها متفنن في التسلط عليها لا تنافي ما قد يتراءى من مفهوم خلافة اللَّه في الأرض الذي يتطلب عمرانها واستخراج خيراتها وبركاتها للمجتمع الإسلامي، وطلب السيادة للمسلمين على وجه الأرض، فإنَّ اللَّه سبحانه وتعالى قد جعل الإنسان خليفة له على الأرض قال تعالى: وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ[٢] وهذه الخلافة هي نفس خلافة داود عليه السلام في قوله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ[٣].
وهذه الخلافة للَّهفي الأرض هي التي تبرر أصل الخلقة، بخلاف خلافة مجموعة من البشر لمجموعة من البشر السابقين عليهم وقد أهلكهم اللَّه بسوء أعمالهم كما قال تعالى: وَ لَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ
[١] - نهج البلاغة رقم الكتاب:( ٤٥) تحقيق د. صبحي الصالح.
[٢] - البقرة: ٣٠.
[٣] - سورة ص: ٢٦.