دعوة الى الإصلاح الديني و الثقافي - الجواهري، الشيخ حسن - الصفحة ٣٤٦ - المقدمة
أعطى أحدهما لذي حاجة. وكان لا يتقبل عطاء من حاكم ولا من غيره إلّاإذا كان عطاءً عاماً، فارسلَ إليه عثمان مائتي دينار، فجاء الرسول، وقال له: هذه من عثمان وهو يقول لك: إنَّها من صلب ماله ما خالطها حرام.
فقال أبو ذر: هل أعطى أحداً من المسلمين مثلما أعطاني؟
قال: كلّا.
فقال أبو ذر: إذهب انت والدراهم، إنما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسعهم ولستُ في حاجة إلى المال.
فقال له الرسول: أصلحكَ اللَّه إني لا أرى في بيتك كثيراً ولا قليلًا!
فرفع أبو ذر الوسادة وأراه قرصين من خبز الشعير، وقال للرسول: بل عندي هذا، وإني لغني بهما وبثقتي باللَّه وإيماني بالحقّ.
ومن مميزات أبي ذر صراحته بالحقّ التي جرّت له الويلات وسببت له الضرب والبؤس والتشريد، فعندما أسلم أبو ذر كان عدد المسلمين لا يزيد على أربعة، فتعرض لصناديد قريش، وجهر بالإسلام وتحداهم منادياً بأعلى صوته:
«لا إله إلّااللَّه، محمد رسول اللَّه»، فضربوه حتى كاد أن يُقضى عليه لولا أن يكفَّهم عنهُ العباس بن عبدالمطلب، وكان يعاود هذه الحالة، فيعاد عليه الضرب والعذاب، حتى كان معرّضاً للقتل في أي لحظة، فأمره النبيّ صلى الله عليه و آله أن يلتحق بأهله لحين كثرة المسلمين.
وهكذا بسبب صراحته وجرأته اصطدم أبو ذر بأصحاب السيادة والثروة، لأنه لا يريد أن يقوم الترف والبذخ إلى جانب الفقر والبؤس، وقد صاح في وجه السلطان- لما رأى الأموال يبذرها الأقربون والموالون، والناس يقتلهم الجوع والبؤس- فقال: جمعتم الأموال من الناس فيجب أن تنفقونها على