سؤال و جواب - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٣٧ - المكاسب و أقسامها و أحكامها
٣٠. (الغيبة) و هي من امهات المآثم و فضائع الجرائم. و لها عند الشارع هول عظيم و تهديد و وعيد ما عليهما من مزيد. و لقد صورها القرآن المجيد باشنع صورة حيث قال عز شأنه وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فجعل المؤمن اخا للمؤمن لحفظه في غيبته و يعطف عليه. و جعل غيبته التي لا يستطيع معها دفعا عن نفسه كموته. و ذكره بالسوء كاكل لحمه و هي طعام كلاب أهل النار كما في الخبر يعني ان المستغيب يصير كلبا من كلاب جهنم و يصير الغيبة بناء على تجسيم الأعمال كما هو الحق طعاما من الاطعمة المناسبة للكلاب من الجيف و الفطايس. و قد كثرت التعاريف و التعبيرات عن ضابطة الغيبة و يمكن اختصار ضابطتها بكلمتين و هما تنقيص المؤمن غائبا بسوء ذكره أو كشف ما هو ملتزم بستره و من هنا يعلم ان المدار في الحرمة على إثبات النقص لا على نفي الكمال و يختلف هذا باختلاف أساليب الكلام فقولك فلان بخيل غيبة و قولك ليس بكريم ليس بغيبة. لان الأول إثبات نقص و الثاني نفي كمال و فلان فاسق غيبة و ليس بعادل ليس بغيبة إلا أن يكون المفهوم عرفا من نفي العدالة إثبات الفسق. و كذا قولك فلان جاهل غيبة و ليس بعالم أو ليس بمجتهد خارج عن الغيبة و مباح بل ربما يكون واجبا شرعا و قد يكون السكوت عن مدعيه و ليس من أهله من اعظم المآثم. و لا فرق في حرمة غيبة المؤمن بين ذكره باللسان أو الإشارة و بين القول أو الكتابة. و بين الصريح أو الكناية و لا في المستغاب بين الرجل و المرأة و البالغ و غيره نعم لو قصد نقصه بما لا ينقصه عرفا كفلان الشاعر أو الاديب أو بما هو ظاهر مكشوف كالاعمش و الاعرج أو الحجام أو الحائك و نحوها أو صاحب الأموال الكثيرة فالأقوى عدم الحرمة فقاهة و ان كان الاحوط الاجتناب تورعا، و قد ثبت بالنص و الإجماع جواز الغيبة في موارد بل ربما يجب في بعضها و بعضها خارج من الغيبة موضوعا لا حكما:
١. المتجاهر بالفسق الذي لا يبالي بنسبة السوء إليه و النقص فيه و الاحوط الاقتصار على اغتيابه بما يتجاهر به أو بما دونه لا بمساويه أو الاشد إذا كان متسترا به فالمتجاهر بالنهب مثلا يجوز غيبته بالسرقة لا بالقتل.
٢. غيبة المظلوم لظالمه سواء تستر الظالم بالظلم أو تجاهر و سواء كانت فيه فائدة أو لا كل ذلك لاطلاق قوله تعالى" لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ" و لكن الميزان بالظلم المسوغ للغيبة أن يكون قد غصبك مالك أو ضربك أو شتمك لا مثل ما لو لم يكرمك أو لم يقض حاجتك أو نحو ذلك فالمدار على تحقق الظلم و العدوان عليك لا على ترك الأولى و ان كان يظهر من بعض الأخبار جواز الغيبة على ترك أي حق كان من حقوق المؤمن على أخيه كعدم عيادته أو ترك معونته أو الإخلال بزيارته فضلا عما لو اخلف في وعده أو خانه في امانته أو كذبه في حديثه و لكن الاحوط الاقتصار على ما ذكرناه.
٣. الاستغناء كان يقول فلان ظلمني فكيف تخليصي منه حيث تكون جهة تقتضي ذكر اسمه.