المسائل المستحدثة - الفياض، الشيخ محمد إسحاق - الصفحة ١٩ - الأخباريون و مسألة الاجتهاد
فاذن لا بد من قيام جماعة في كل عصر لبذل الجهد للوصول إلى هذه المرتبة أي مرتبة الاجتهاد و تحمل مصاعبها، و مشاقها، و إلا لظلت المشاكل المتجددة بدون حلول ملائمة لها في إطار الشرع.
" الطريق الثاني"
إن حقيقة الاجتهاد عبارة عن عملية تطبيق القواعد المشتركة و النظريات العامة- التي يبناها المجتهد في الأصول- على صغرياتها، و عناصرها الخاصة في الحدود المسموح بها وفقاً لشروطها، و نتيجة هذه العملية هي أحكام شرعية ظاهرية. و تلك الأحكام تكون وليدة أفكار المجتهدين بما لها من الطابع الإسلامي، و لذا قد تكون مطابقة للأحكام الشرعية الواقعية، و قد تكون مخالفة لها، و على كل التقديرين يلزم العمل بها. حيث ان المجتهد: قد اثبت حجية تلك القواعد و النظريات العامة التي تتمتع بطابع أصولي بشكل قطعي من قبل الشرع في علم الأصول. و لا نقصد بذلك: بطبيعة الحال مطابقة تلك القواعد و النظريات لواقع التشريع الإسلامي، بل نقصد به قطع المجتهد بحجيتها التي تؤدي إلى تنجيز الواقع لدى الإصابة، و التعذير لدى الخطأ. كما لا نقصد بالقطع بالحجية: قطع المجتهد بها مباشرة فإن المجتهد قد يقطع بها بشكل مباشر، و قد يقطع بها في نهاية المطاف، بقانون ان كلما يكون بالغير لا بد أن ينتهي إلى ما بالذات. و حيث أن غير القطع الوجداني من الإمارات و القواعد العامة لا تملك الحجية الذاتية، و إنما جاءت حجتيها من قبل الغير فلا بد أن تنتهي إلى ما يملك الحجية الذاتية- و هو القطع الوجداني- و لو في نهاية المطاف و إلا لتسلسل. إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة: و هي أن عملية الاجتهاد و إن كانت في نفسها عملية ظنية إلا أنها مؤمنة على كل تقدير جزماً، و عليه فعمل المجتهد يكون مستنداً إلى القطع بالمؤمن دائماً و كذا الحال في المقلد، حيث أنه يقطع بحجية فتاوى المجتهد عليه و بمؤمنيتها على كل تقدير فلا يكون المكلف عاملًا بالظن بها و معتمداً عليه في حال من الحالات، و لا يجوز ذلك بحكم العقل، لإلزامه بتحصيل القطع بالمؤمن، و دفع احتمال العقاب. و مدلول نصوص الكتاب و السنة الناعية عن العمل بالظن ارشاد إلى ذلك، و لا يكون تعبيراً عن حكم شرعي مولوي عام.