نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٦
٤٠ ـ الجهلُ وتبدّل القيم:
(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرُهٌ لَكُمْ وَعَسى اَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لكم وَعَسى اَنْ تُحبُّوا شَيْئاً وَهُو شَرٌّ لَكُمْ وَالله يَعْلَمْ وَاَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)
(البقرة / ٢١٦)
إنَّ نشاطات الإنسان متّجهة دائماً نحو القيم التي يعتقد بها. وتمييز القيم له دور أساسي في تبلور وحياد نشاطات الإنسان وفعالياته.
فالجهلُ وعدم المعرفة قد يؤدي به الى الوقوع في الخطأ عند تمييز (القيم) عن (أضدادها)، أي أنْ يعلم ما هو عامل التقدّم والخير والبركة، ويُميِّزهُ عن عامل التراجع والشرّ والشقاء.
إن الآية السابقة تقول: إن للجهاد في سبيل الله قيمة ـ أي عامل للعزة وصيانة ماء الوجه والفخر والموفقية ـ، لكنكم تكرهونه لجهلكم وعدم معرفتكم بآثاره، وتعتبرون السكوت وترك الجهاد قيمةً وعاملا للسلامة والسعادة، مع انه
عامل شقائكم.
وعلى هذا، فالجهل هو منبع الخطأ في تمييز القيم، وهو عامل اتخاذ المواقف غير الصحيحة والخطأ تجاه القضايا المختلفة والحوادث المتنوعة في الحياة وعامل للافراط والتفريط(١).
استخلاص واستنتاج:
إن المستخلص من البحوث القرآنية السابقة والمدرجة تحت أربعين عنواناً (لا ندعي تحديدها بهذه العناوين أبداً) والحاثّة على طلب العلم والمعرفة، هو اهتمام القرآن والاسلام البالغ تجاه مسألة المعرفة في جميع المجالات، سواء في مجال معرفة الذات الربانية وصفاته، أو في مجال معرفة العالم والسماوات والأرض وجميع الكائنات والإطّلاع على أسرار المخلوقات الأرضية والسماوية الطبيعيّة أو ما وراء الطبيعة، ومعرفة النفس والإِلمام بمختلفِ العلوم.
ومن تحقيق الآيات السابقة نستخلص بوضوح الأُمور التالية:
١ ـ إنَّ طريق العلم والمعرفة مفتوح للناس كافة، وكلٌّ حسب استعداده
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ - يقول الامام علي (عليه السلام): "لا ترى الجاهل إلاّ مفْرِطاً أو مُفَرِّطاً". (نهج البلاغة الكلمات القصار، الجملة رقم ٧٠).