نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٢
لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله اَفَلا تَعْقِلُونَ) (الانبياء / ٦٦ ـ ٦٧).
يعني أن هذا التقليد الأعمى ناشيءٌ عن عدم التعقل والتأمل ووليد الجهل. ودليله واضح، فان ذوي العلم مستقلون فكرياً، واستقلالهم الفكري هذا لا يسمحُ لهم بالتقليد، بينما الجاهلون مرتبطون بهذا وذاك فكرياً، ويتبعون الاخرين
عشوائياً.
* * *
٣٦ ـ الجهل يُسبّبُ الخلاف والفرقة:
(لا يُقاتِلُونَكُمْ جَميعاً اِلاّ فِي قُرىً مُحَصَّنَة اَوْ مِنْ وَراءِ جُدُر بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَديدٌ تَحْسَبُهُم جميعاً وَقُلُوبُهُم شَتّى ذلِكَ بِاَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ)
(الحشر / ١٤)
إنَّ كلمة "قرى" جمع "قرية" ومعناها المحال المعمورة اعم من القرى والارياف او المدن. وقد تطلق على مجموعة يسكنون في مكان ما، و"قرىً محصَّنة" تعني المناطق الآمنة من العدو بسوار او ابراج او خنادق او غيرها.
إنَّ هذه الآية تتحدث عن طائفة "بني النضير" (إحدى ثلاث طوائف يهودية تقطنُ المدينة) وترفع الغطاء عن فزعهم وخوفهم الباطني واختلافهم وفرقتهم، فتصرح الآية للمسلمين: إنكم تحسبونهم جميعاً ومتحدين لكنّ الواقع بينهم ومضمر فيهم وهذا بسبب جهلهم وعدم معرفتهم.
إن الاختلاف ينشأ عن الجهل، والاتحاد ينشأ عن المعرفة دائماً. الجاهلون لا يجهلون الأخطار الجسيمة للفرقة فقط، ولا يجهلون فوائد الاتحاد وبركاتِهِ فقط، بل يجهلون اُسس التعايش السلمي، واُسلوب التعاون وشروط النشاطات المشتركة، وهذه المسألة أدت بهم الى الاختلاف والفرقة.
إن المتعصبين والمعاندين والمتكبرين والحاقدين والسفهاء، لا يمكنهم