نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٧
وسمعَ محاجتهما، وكذا الأمر بالنسبة لقوم عاد، فلم يروهم ولم يروا مدنهم العامرة يومذاك، وحتى بالنسبة لأصحاب الفيل فان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وُلِدَ في السنة التي هجم فيها (ابرهة) طبقاً للرواية المشهورة، فلم يرَ شيئاً من الحادث وكذا أكثر المسلمين، وعلى هذا فالمراد من الرؤية هو التدقيق في تاريخهم.
إن ما يلفت النظر هنا هو أن الآيات الخمس الاولى ركّزت بحثها على التاريخ المدوّن أي ما جاء في صفحات الكتب التاريخية بينما ركزت الآيات الاربع الاخيرة بحثها على التاريخ التكويني الحي أي الآثار الباقية عن الاقوام الغابرة في بقاع مختلفة من العالم.
من الممكن أن تكون الآيات الثلاث الاخيرة فيها اشارة الى التاريخ المدون او التاريخ الخارجي أو كليهما، ويتضح من مجموع هذه الآيات (وأمثالها في القرآن الكريم) الأهمية القصوى التي أولاها القرآن لقسمي التاريخ كمصدر للمعرفة والعلم.
انَّ الله عزّ وجلّ يدعو الناس تارةً لأن يشاهدوا بأم أعينهم قصور الفراعنة وآثار دمار مدن عاد وثمود وقصور نمرود وأعوانه والبلاد التي جُعِلَ عاليها سافلها التابعة لقوم لوط لكي يعرفوا أنَّ مَصير المتجَبّرين سيؤول الى هذه النهاية.
وتارة نجد القرآن نفسه يشرح بدقة هذه الحوادث ويسلط الاضواء عليها ويعدُّ العِبَر بعد العِبَر ذاكراً عاقبة (المكذبين) و(الظالمين) و(الكافرين) و(المفسدين) في ضمن بحوثه التاريخية هذه.
في الحقيقة إن القرآن تارة يأخذ بأيدي الناس الى "مصر" ويريهم الآثار التاريخية ويمثل لهم الراقدين تحت التراب ويصور أمامهم العروش التي عصفت بها الرياح، وتارة اخرى يريهم الذين أُركسوا في العذاب وهُدّمت عروشهم، والخلاصة: فان القرآن يريهم ما خفي على العيان من قصص الأسلاف.
إنّه يمضي بهم الى المدن الخربة كمدينة (سدوم) مثلا مركز قوم لوط