نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦١
واقعيات التاريخ القطعية، خاصةً وأن القرآن يأخذ بأيدي الناس الى ما خلّفته الأقوام الغابرة، ويروي قصصهم على قبورهم وقمم مدنهم الخربة.
إن التاريخ ـ في الحقيقة ـ فرع من المسائل التجريبية، وبتعبير آخر يمكن ادغامه في مصدر "الحس والتجربة" إلاّ أنه يختلف عن الحس والتجربة اختلافاً طفيفاً فالحس والتجربة يتعلقان بالحاضر لكن التاريخ يتعلق بالماضي، وان الحس والتجربة قد يتعلقان بذات الفرد فقط بينما التاريخ يتعلق بجميع ذوات البشر.
ولكن الأهمية الفائقة لهذا الفرع من التجربة تفرض علينا دراسته كمصدر مستقل للمعرفة.
* * *
٣ ـ شوائب التاريخ:
بالرغم من ان التاريخ مرآة كبيرة وجميلة تعكس الواقعيات إلاّ أن المؤسف فيه هو وجود أياد ملوَّثة سعت وتسعى دائماً لتغيير وتشويه الوجه الشفاف لهذه المرآة، ولهذا السبب فان هناك كثيراً من الشوائب في التاريخ تحول دون معرفتنا للحقيقة ودون تمييزنا الصادق عن الكاذب منه.
إن سبب التشويه واضح، حيث لم يكن المؤرخون محايدين دائماً، بل كثيراً ما يؤرخون التاريخ بالشكل الذي يتناسب مع دوافعهم الشخصية والتكتلية، هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان جبابرة كل عصر سعوا لإِغراء المؤرخين بالاموال وغيرها، ليملوا عليهم ما يحلو لهم.
وبالرغم من المساعي التي تُبذل بعدَ زوال كلٍّ من الحبابرة والظالمين وتوفر أجواء حرة أكثر في سبيل اصلاح الاخطاء، وتصحيح ما لحق بالتاريخ من فساد، إلاّ أن المؤرخين قد لا يوفّقون في هذا المجال لاصلاح الخطأ، أو تكون اصلاحاتهم غير كافية.