نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٧
الملبدة بالغيوم، مع أن الانسان لا يمكنه السير في هذا الطريق وينجح باجتيازه بنسبة واحد بالمائة، إلاّ بالاستعانة بالوسائل الدقيقة، وكذا الأمر بالنسبة لبعض الحيوانات حيث تطلب صيدها في ظلام الليل الدامس، وأحياناً تحت أمواج المياه وغير ذلك من الأمثلة التي يصعب على الانسان تصديقها، إِلاّ أن العلم أثبت صحتها.
إِن هذه الواقعيات التي تثبت بالعلم والتجربة تكشف عن وجود إِدراك وشعور خاص لتلك الحيوانات لم نَتَحلَّ به نحن، بالطبع إِن الاطلاع الكامل على عالم حواس الحيوانات الغامض أمر محال، إِلاّ أنه لا يمكن إِنكار هذه الحقائق(١).
فبالرغم من ان حواس الحيوانات أمر طبيعي لا يرتبط بما وراء الطبيعة، الا اننا نعرف حقيقته، فكيف يمكن لنا أن ننكر عالم الوحي الغامض او نشكك فيه بسبب عدم إدراكنا له؟
لم نقصد من حديثنا الاخير الاستدلال على ثبوت مسألة الوحي، بل أردنا نفي استبعاد وجود هذا العالم، وهو جواب لاُولئك الذين ينكرون وجوده بسبب عدم امكان ادراكه.
ولنا طرق واضحة لاثبات قضية الوحي منها:
١ ـ نشاهد من جهة رجالا يدعون النبوة جاؤوا بكتب وتعاليم تفوق قدرة البشر الفكرية، فالرسول الامي ـ مثلا ـ كيف أمكنه الاتيان بكتاب ذي محتوى مجيد من مجتمع متأخر للغاية كمجتمع الحجاز في عصر الجاهلية؟!
٢ ـ ومن جهة اخرى فان دعوى الرسل مقترنة دائماً مع معاجز تفوق قدرة البشر، وهذا يكشف عن ارتباطهم بعالم ما وراء الطبيعة.
٣ ـ ومن جهة ثالثة، فان الرواية الكونية التوحيدية تقول لنا: أن الله خلقنا للتكامل والسير نحو ذاته المقدسة الأبدية، وبديهي أن اجتياز هذا الطريق أمر غير ممكن لكثرة مصاعبه وانعطافاته وتعرجاته ومشاكله واخطاره لأننا نشاهد عجز
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ - يراجع كتاب "عالم حواس الحيوانات الغريب" (بالفارسية).