نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٠
ثم قالت الآية: (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكُمْ أَنْتُمْ اَلْظالِمُون) أي ظالمون لأنفسهم ولمجتمعهم وربّهم وخالقهم الذي يغدق عليهم النعم.
يعتقد بعض المفسرين: ان عبارة (فَرَجَعُوا اِلى اِنْفُسِهِمْ) تعني لوم احدهم الآخر، إلاّ أن هذا خلاف ظاهر الآية، فالتفسير الاول أصح.
نعم، إنه الضمير الذي يجعل عبدة الأصنام المغرورين يلومون أنفسهم ويوبّخونها.
إن التعبير بـ (ألنَّفْس اللَّوّامَة) في الآية الشريفة: (لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوامَة)(سورة القيامة / ٢)، خاصة وان الله قرنها بيوم القيامة، إشارة واضحة الى هذه المحكمة الباطنية والوجدان الفطري.
والآية الثالثة تشير الى مر المشركين، حيث يعرضون عن أتباع آيات الله عندما يُدعون إليها ويصرون على اتباع ما كان عليه آباؤهم، فيقول الله في هذا المجال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرضِ لَيَقُولَنَّ الله)، وبالرغم من ذلك لم يخضعوا للهِ تعالى، بل لأصنامهم التي صنعوها بأيديهم لجهلهم! (اَلْحَمْدُ للهِ بَلْ اَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ).
وجوابهم على هذا السؤال عن خلق السموات والارض، يمكن ان يكون نابعاً عن "الفطرة"، ويوضّح حقيقة أن الانوار الالهية متأصّلة في الانسان منذ تكوينه فطرياً ولكن الناس غافلون عن هذا الحكم الفطري، فيذهبون عنهُ شططاً.
* * *
وتشير الآية الرابعة الى نفس المفاد الذي جاء في الآية الثالثة، فقد وضّحت التوحيد الفطري الذي يتجلى في باطن الانسان عندما يمرّ بالأزمات والشدائد، ومثال ذلك أن الناس عند ركوبهم السفينة ومواجهتهم الامواج المتلاطمة والزوابع والعواصف يذكرون الله، لانهم لا يجدون احداً يستطيع انقاذهم آنذاك من الشدائد