نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٩
الفتح / ٢٦)
إنَّ كلمة "حمية" مشتقة من مادة "حَمْي" على وزن "حَمْد"، وكما يذكر الراغب في "مفرداته" أن معناها الأولي هو الحرارة الناشئة من أشياء مثل النار والشمس والقوة الباطنية في جسم الانسان (الحرارة الذاتية والباطنية للأشياء)، ولهذا يقال لارتفاع درجة حرارة المرى (حُمّى) على وزن (كُبْرى)، وبما أنَّ التعصب والغضب يولدان حرارة وحرقة في باطن الانسان قيل "حمية". وقد جاء في كتاب "التحقيق في كلمات القرآن الكريم" أنّ "الحمية" هي شدة الحرارة والعلاقة والتعصب في الدفاع عن النفس(١).
إنَّ هذه الآية نزلت في حوادث صلح الحديبية وتوضيح القضية: أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)قصد مكة للحج في السنة السادسة من الهجرة، إلاّ أن المُشركين منعوا المسلمين من دخول مكّة تعصباً لجاهليتهم، مع أنَّ السماح بزيارة مكة للجميع كان من قوانينهم وسننهم المسلم بها، فهم بهذا انتهكوا حرمة الحرم الإلهي، ونقضوا سنتهم، إضافة الى أنهم وضعوا حائلا ضخماً بينهم وبين الحقائق.
إضافة "الحمية" الى "الجاهلية" من قبيل إضافة "السبب" الى "مسببه"، التعصب والعناد والغضب ينشأُ عن الجهل دائماً، لأن الجهل لا يسمحُ للانسان أن يرى عواقب أعماله، ولا يسمحُ له قبول أن رؤيته قد تكون خاطئة، وأنَّ هناك علماً أوسع واكبر من علمه، ولهذا نرى أن شدة عناد وتعصّب الأقوام الجاهلة اكثر منها في الأقوام الاخرى.
كما أنه لهذا لسبب نفسه نجد أن الانبياء والرسل عندما يبعثون الى قوم بالرسالات والأَنوار الإلهية الساطعة، يواجهون مقاومة عنيفة، ويتهمون بمختلف التهم، وقد اورد القرآن الكريم نموذجاً من ذلك في سورة(ص)، الآيات (٤ الى٧).
(وَعَجِبُواْ أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِنهُمْ وَقالَ الكَفِرونَ هَذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ - "هي شدة الحرارة، والعلاقة والتعصب في الدفاع عن نفسه والتعفّف والترفع". (مادة حمى).