نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٥
الانسان.
٤ ـ محكمة الوجدان: إن في باطن الانسان محكمة عجيبة يمكن تسميتها "القيامة الصغرى"، تحاكم الانسان على أعماله، فتشجعه على الحسنات،
وتوبخه على السيئات، ونجد هذه التشجيعات والعقوبات في باطننا جميعاً
(بالطبع مع وجود اختلاف)، وهي نفسها التي نقول عنها تارة: (إن ضميرنا
راض)، وتارة: (إن ضميرنا يؤنبنا) الى حد حيث يسلب منا النوم، بل قد يؤدي ـ احياناً الى نتائج مفجعة مثل الانتحار والجنون والابتلاء بأمراض نفسية والآية: (فَرَجَعُوا اِلى اَنْفُسِهِمْ) تشير الى هذا القسم.
* * *
٢ ـ هل توجد معرفة فطرية؟
بالرغم من ان الجميع يشعرون بوجود هذا المصدر في ذواتهم اجمالا، أي يشعرون بوجود مجموعة من الخطابات والالهامات، او بتعبير آخر وجود ادراكات لا تحتاج الى معلم أو استاذ، إلاّ أن بعضاً من الفلاسفة شكك في هذا المصدر، وعلى العموم توجد ثلاث نظريات في هذا المجال:
الف ـ نظرية الذين يعتقدون أن كل ما لدى الانسان من معلومات موجود في باطنه، وما يتعلمه في الدنيا، يتذكره في الحقيقة، لا أنّه يتعلمه من جديد! هذا ما نقل عن افلاطون واتباعه(١).
ب ـ نظرية اولئك الذين يدّعون أن المعرفة بجميع أقسامها عند الانسان فطرية، بالرغم من اذعانهم لِقابلية الانسان على ادراك القضايا المختلفة،
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ - يقول افلاطون: إن الروح قبل حلولها في البدن ودخولها في العالم المجازي كانت في عالم المعقولات والمجردات و"المُثل"، أي انها أدركت الحقائق ونسيتها بمجرد دخولها في عالم الكون والفساد، إلاّ انها لم تنمحِ عنها بالكامل، فالانسان كالظل والشبح فما هو في "المُثل" يتذكره بمجرد الالتفات إليه، فكسب العلم والمعرفة تذكر في الحقيقة، واذا كان الانسان جاهلا منذ البدء فلا يمكنه تحصيل العلم (مسير الحكمة في اروبا الجزء ١ الصفحة ٢٣ ـ نظريات افلاطون).