نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٦
وتجدر الاشارة هنا الى أن ما ذكرناه في شروحنا للاقسام الثلاثة كان صحيحاً وإن لم يتفق شيئاً ما مع الاستعمالات العصرية لمفردتي "العلم" و"الفلسفة" وان المراد كان ايصال المفهوم الى أذهان القراء فقط.
فضلا عما ذُكر سابقاً نضيف هنا القول بامكانية ادغام القسم الثاني والثالث في قسم واحد، ذلك لأن القوانين الكلية التي رسمت التاريخ وتُستخرج وتُِستنبط من التاريخ النقلي، تارة تكون ناظرة الى الوضع الراهن للمجتمعات، وتارة اخرى تكون ناظرة الى تحول وتكامل المجتمعات.
والمهم هنا هو أن القرآن المجيد لم يقتنع بالسرد المجرد لحوادث التاريخ بل أشار أيضاً الى السنن والقوانين الكلية التي حكمت المجتمعات، القوانين التي يمكنها أن تزيل القناع عمّا كان ويكون، أو عن أي تغير وتحول تاريخي كأيّ تقدم أو سقوط أو فشل حصل للمجتمعات.
يشير القرآن ـ مثلا ـ الى هذه السنة: (ذلِكَ بِانَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أنْعَمَها على قَوم حتّى يُغَيِّروا ما بِأَنْفُسِهم) (الأنفال / ٥٣).
وينبغي الالتفات الى أن القرآن ذكر هذه السنة بعد ما أشار الى قصة قوم فرعون وعذابهم بسبب ذنوبهم.
ويقول في آيات اخر (بعد اشارته الى تاريخ الاقوام القويّة التي بادت بسبب تكذيبهم الرسل وشركهم وذنوبهم وظلمهم): (فَلَمْ يَكُّ يَنْفَعُهُمْ اِيمانُهُمْ لَمّا رَأوا باسَنا سُنَّةَ الله التي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ) (المؤمن / ٨٥).
نعم تنبغي الوقاية قبل العلاج، وهذا قانون كلي، لأنّ الانسان لو ابتلي بجزاء أعماله فلا فرصة حينئذ لجبران الماضي.
الإجابة على إشكال:
إن قبول وجود قانون كلي في تاريخ الانسان يجسد مفهوم الجبر في التاريخ ولا يتفق وحرية الارادة والختيار. وَهذا ما قد يقال.
لكن الالتفات الى نقطة في هذا المجال يرفع الاشكال بالكامل والنقطة