نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١١
وقد ساعد الانبياء في ذلك احياناً ـ أمران: الاول النبوغ الفكري، والثاني هو الترويض والتفكير المستمر.
وطبقاً لهذه الفرضية، فان علاقة "الوحي" بعالم ما وراء الطبيعة ليست علاقة من نوع خاص ومغايرة للعلاقات الفكرية والعقلية لبقية أفراد البشر، وان هذا لا يتم عن طريق وجود روحي مستقل باسم "الوحي"، بل هو انعكاس لضمير الانبياء الخفي، وهذه الفرضية كالسابقة القائلة بأن الوحي هو الاتصال بالعقل الفعال، تفتقد الدليل. وقد يكون المراد بهذا من هذا الكلام ليس اثبات حقيقة الوحي، بل مرادهم إِن ظاهرة الوحي لا تتنافى مع العلوم الحديثة، ويمكن بتجلي عالم اللاشعور لدى الانبياء.
وبتعبير أوضح، فان العلماء يصرون على تفسير جميع ظواهر العالم طبقاً للقوانين الطبيعية والاصول العلمية التي اكتشفوها، ولهذا فانهم بمجرد
مشاهدتهم لظاهرة جديدة، يسعون الى تحليلها في اطار العلم الحديث ، واذا افتقوا الدليل في هذا المجال اكتفوابالفرضيات.
لكن تلقي ظواهر العالم بهذا الشكل ليس صحيحاً، وهذا هو خطأ العلماء الطبيعيين، فان مفهوم كلامهم هذا هو: اننا فهمنا الاصول والقوانين الاساسية للعالم، ولا توجد ظاهرة خارجة عن اُطُر هذه القوانين والاصول.
وهذا إِدعاء محض ولا دليل له، بل لنا دليل على العكس، حيث نشاهد بمرور الزمن اكتشاف اصول وقوانين جديدة لنظام هذا العالم، ولدينا قرائن تثبت أن نسبة ما نعلمه عن هذا الى ما لا نعلمه كنسبة القطرة الى البحر.
لقد عجزنا عن المعرفة الدقيقة لحواس الحيوانات الغامضة، بل وحتى عن معرفة أسرار وجودنا، لذا لا يمكننا سوى ادعاء معرفة قسم من هذه الأسرار فقط.
فلماذا ـ إِذن ـ هذا الاصرار كله على تبرى ظاهرة الوحي في اُطُر القوانين العلمية المكتشفة، بل ينبغي القول: إِن الوحي حقيقةٌ شاهدنا آثارها ولم نطلع على ذاتها وحقيقتها.