نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٤
خطأ الحواس، فعندما نقول:
إن بصرنا أخطأ اتجاه الاشجار التي نراها متقاطعة من بعيد، فان معيارنا في التخطئة هذه هو العقل.
صحيح أن تمييزنا لهذا الخطأ يستند الى الحس أيضاً حيث إننا ندرك خطأ بصرنا من بعيد لأنا طوينا الشارع من اوله الى آخره عدة مرات وشاهدنا الأشجار في طول الشارع متوازية ولم تلتقِ في مكان، لكن هذا الاستدلال الذي يستند الى الحس يقوى عندما يكون اجتماع النقيضين محالا، ويقول بامتناع أن تكون الاشجار متوازية ثم تلتقي في نقطة واحدة، فاستدلالنا بهذا الشكل يثبت لنا خطأ ما نشاهده من بعيد
في الحقيقة أن قضية امتناع اجتماع النقيضين التي تدرك بالعقل تشكل حجر الأساس لجميع الاستدلالات، وعليه فلا يؤخد بالدليل الحسي دون الاستناد عليها.
٣ ـ فضلا عما سبق، فان ما ندركه بالحس هو ظاهر الأشياء، وما نرى من الجسم بالحس إلا سطحه لا شيء آخر. وعليه فما لم تتدخل الادراكات العقلية لا نستطيع معرفة حقيقة الجسم.
قد يقال: صحيح أن الحواس لا فاعلية لها لوحدها بل يجب الاستعانة بالادراكات العقلية حتى في العلوم التجريبية، لكن ينبغي الاذعان الى هذه الحقيقة ـ وهي ان جميع الادراكات العقلية حصلت بواسطة احواس وكما يقول "جان لاك" الفيلسوف الانجليزي المعروف: "لا شيء في العقل لم يوجد قبله في الحس".
إن هذه الجملة التي أصبحت مثلا وبقيت ذكرى منه تدل على أن الذهن كان كاللوحة البيضاء في البداية وقد ينقش عليها بعد الك بواسطة الحواس، وأن لا وظيفة للعقل غير "التجريد" و "التعميم" أو "التحليل" و "التركيب" لمدركات