نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٣
لكنّ ـ كلما قلنا سابقاً ـ الانسان عاجز عن الاحاطة الكاملة بأسرار سلطان الله على العالم سواء كان عن طريق الحس أو عن طريق العقل، وتحتاج الاحاطة هذه إلى طريق إدراك آخر، وهو الشهود الباطني، ولهذا السبب يذكر صاحب "في ظلال القرآن": ان المراد من الآية إخبار ابراهيم عن أسرار الخلق الخفية ورفع الحجاب عن آيات كتاب الخلق التي نشرت كي يصل ابراهيم الى درجة اليقين الكامل(١).
وتعبير آخر: إن ابراهيم اجتاز مراحل التوحيد الفطري والاستدلالي ـ في البداية ـ من مشاهدته لطلوع الشمسُ وغروبها وطلوع النجوم وافولها، وجاهد المشركين واجتاز درجات التوحيد في ظل هذا الجهاد العظيم، الواحدة تلوا الاخرى، الى أن بلغ مرحلة حيث كشف الله له الحقائق، وهي مرحلة الشهود الباطني.
وهناك حديث للامام الصادق(عليه السلام) في هذا المجال يشير فيه الى هذا المعنى حيث يقول: "كُشِط لإبراهيم السموات السبع حتى نظر ما فوق العرش، وكشط له الارضون السبع، وفُعِل لمحمد(صلى الله عليه وآله وسلم) مثل ذلك ..." "والائمة من بعده قد فُعل بهم مثل ذلك"(٢).
وقد جاء صاحب البرهان بكثير من الآيات في تفسيره هذا المجال، تكشف أن الادراك هذا ليس هو نفس الادراك العقلي أو الحسي، بل ـ وكما صرح صاحب الميزان وأشرنا إليه سابقاً ـ إن الملكوت هي مجموعة الامور التي تتعلق بالذات الربانية من حيث انتمائها الى تلك الذات، وهذا ما شاهده ابراهيم وبلغ به الى أن وصل الى التوحيد الخالص(٣).
وهناك روايـتان نقلتا في تفسير " الدر المنثور " عن أحد صـحابة
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ - في ظلال القرآن الجزء ٣٩ الصفحة ٢٩١.
٢ - تفسير البرهان الجزء ١ الصفحة ٥٣١ الحديث ٢ (ومضمون الحديث الثالث والرابع قريب من مضمون هذا الحديث).
٣ - الميزان الجزء ٧ الصفحة ١٧٨.