نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٤
والآية: (فَاَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) تشير الى هذا النوع من التعاليم الفطرية.
٢ ـ إدراك البديهيات العقلية: التي تعتبر أساس الاستدلالات النظرية، ولا يمكن اقامة البرهان في أي موضوع من دون الاستناد اليها.
وتوضيح ذلك: أن في الرياضيات مجموعة من القضايا البديهية تنتهي إليها جميع الاستدلالات الرياضية وهي وجدانية، مثل (الكل أكبر من الجزء)، واذا تساوى أحد شيئين متساويين مع شيء آخر، تساوى كلٌّ منهما مع الشيء الآخر، أو اذا أنقضنا مقدارين متساويين من شيئين متساويين أو اضفنا ذلك المقدار الى كلٍّ منهما فالنتيجة تساويهما كذلك.
وكذلك الأمر بالنسبة للاستدلالات العقلية الفلسفية، فلا يمكن الاستدلال من دون الاستناد الى قضية استحالة اجتماع الضدين او النقيضين وغير ذلك مثلا.
ويستخدم القرآن ـ احياناً ـ هذه الاصول المسلّم بها لاثبات قضايا مهمة، كما في قوله: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر / ٩) ويقول في آية اخرى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى وَالْبَصيرُ اَمْ هَلْ تَستَوي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ) (الرعد / ١٦).
٣ ـ الفطرة المذهبية ـ أن الانسان يتعلم بعض القضايا والمسائل العقائدية من دون الاستعانة بمعلم او استاذ كمسألة معرفة الله والمعاد وقضايا عقائدية اخرى يأتي شرحها في المجلد الثاني ان شاء الله.
والآية: (فَاِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا الله مُخلِصينَ لَهُ الدِّينَ) تشير الى هذا القسم من المعرفة الفطرية.
ولهذا السبب نرى الايمان بمبدأ مقدس موجوداً على مرِّ العصور، كما أن لدينا قرائن تثبت تجذّر هذا الايمان عند الانسان البدائي كذلك ولا يمكن اتساع هذا المعتقد واستمراره عند البشر عبر مرّ العصور إلاّ اذا كان متجذّراً في فطرة