نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩١
كما أن الخطأ ليس في نفس وجود الشارع والاشجار على طرفيه بل الخطأ في أن الاشجار كلما ابتعدنا عنها اقتربت من بعضها البعض في أبصارنا، وكذا الأمر بالنسبة للماء الدافيء، فليس الخطأ في نفس وجود الماء ودرجة حرارته المعنية، بل في تمييز درجة الحرارة.
ولكنا ـ كما سبقت الاشارة ـ لا ندعي إدراكنا لجميع حقائق الوجود، كما
لا ندعى أن معرفتنا منزهة عن أي خطأ بل ما نريد اثباته هو امكانية المعرفة على سبيل القضية الجزئية، وقد نشأ خطأهم من هنا.
واللطيف هو أن ما ذكره مخالفو إمكانية المعرفة من أدلة يمكن أن يستخدم كدليل ضدهم، لأنهم عندما يبحثون مسألة خطأ الحواس، فان ما مفهومه ادعاؤهم أن هذه الحقيقة اكتشفناها بخواسنا الاخرى او بطرق عقلية، فندرك خطأ الحاسة المعيَّنة في ذلك المورد، وهذا عين اعترافهم بصحة بعض المعارف.
فعندما نقول مثلا: إن الخط الملتهب الممتد الذي نراه عند ظهور الشهاب في السماء خطأٌ، فذلك بسبب إنا لاحظنا بحواسنا الاخرى إنَّ الشهاب قطعة حجر تحترق عند وصولها الى الأرض وذلك لسرعتها واحتكاكها بطبقة الهواء، وعندما تلوح لنا كالنقطة النيرة، وبما أنها تتحرك بسرعة هائلة فتخطأ العين في التمييز ونراه خطاً ممتداً وملتهباً، مستقيماً او منحنياً.
كذلك الأمر بالنسبة للخطين المتوازيين عندما نراهما متقاطعين من بعيد، بينما رأيناهما من قريب متوازيين فعند مقارنة المعلومات التي حصلنا عليها من بعيد ومن قريب نعترف بخطأ ابصارنا من بعيد.
إذن يجب القول بأن أي حكم بخطأ بعض المعلومات، دليل على معرفة كثير من الحقائق (دقّق).
٣ ـ إنهم في الحقيقة لم يميزوا جيداً بين "البديهيات" و"النظريات" ولا بين ا"المعرفة الاجمالية" و"المعرفة التفصيلية" ولا بين "الامور المطلقة" و"الامور النسبية"، ولأجل عدم معرفتهم الدقيقة وتميزهم لهذه المواضيع الثلاثة وقعوا فيما