نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٤
* * *
٣٨ ـ فقدان الأدب ينشأ عن الجهل:
(اِنَّ الَّذينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءَ الحُجراتِ اَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ).
(الحجرات / ٤)
كان البعض يضايق الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث كانوا يقفون عند باب بيته منادين عالياً: "يا محمد!" "يا محمد!" فكان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يتألم من سلوكهم هذا، ولكنه كان يكظم غيظه وذلك لما كان يتصف به من خُلُق عظيم إلى أن نزلت هذه الآية، فعلمتهم أدب الحديث مع الرسول ومحاطبتِهِ (في سورة الحجرات).
والتعبير بـ "أكثرهم لا يعقلون" إشارة جميلة الى أن سوء الأدب غالباً ما ينشأ عن الجهل فكلما فُقِد العلم حل سوء الأدب مكانه، وكلما تواجد العلم تواجد الأدب معه.
(وَاِذ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اِنَّ الله يَامُرُكُمْ اَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتتخِذنا هُزُواً قالَ اَعُوذُ بِالله اَنْ اَكُونَ مِنَ الْجاهِلينَ)
(البقرة / ٦٧)
إنَّ الآية تتعلق بقضة قتل حدثت في بني اسرائيل كادت ان تجر الى معارك كبيرة بين قبائل بني اسرائيل لجهلهم بالقاتل: فأمر الله أن يذبحوا بقرة ويضعوا قسماً منها على المقتول كي ينطق ويُعرفهم قاتله.
وبما أن هذه القضية كانت معجزة ومدهشة للغاية بالنسبة لبني اسرائيل، فقد قالوا لموسى ابتداءً: أتتخذنا هزواً؟
فاجاب موسى (عليه السلام): أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين أي ان الاستهزاء من معالم الجهل ودليل على العجب والتكبر والغرور، فان ذوي هذه الصفات يتخذون الآخرين هزواً كي يحقّروهم ونعلم أن التكبر والعجب ينشآن عن الجهل حتى أن