نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٣
بأن مصيرهم ما كان هذا لو أنهم استغلوا عقولهم، وهذا الاعتراف الكاشف عن الندم، دليل على أن سلوكهم لهذا الطريق كان باختيارهم. وإذا زعم بعض المفسّرين كالفخر الرازي عند تفسيره للآية الاولى أنها دليل على الجبر، فان الثانية تنفي مزاعمه وتصلح لأن تكون مفسرةً للاولى لأن "القرآن يفسر بعضه بعضاً".
وعلى اي حال فان العلاقة بين "جهنم" و"الجهل" مسلمة في القرآن وتتضح في الابحاث القادمة اكثر(١).
* * *
٢٧ ـ الجهل مصدر انحطاط البشر:
(اِنَّ شَرَّ الدَّوآبّ عِنْدَ الله الصُّمُّ البُكمُ الَّذينَ لا يَعْقِلُونَ)
(الانفال / ٢٢)
إنَّ هذه الآية والتي قبلها تُشيران الى موضوع واحد لكن الأهير تشير له صراحة والسابقة لها تلميحاً، والموضوع هو: إن الانسان متى ما ترك الاستعانة بوسائل المعرفة التي منحها الله له فانه سينحط ويسقط الى مستوى يجعله أضل من جميع الدواب التي على وجه الارض. ولَم لا يكون كذلك مَن بامكانه ان بصل الى أعلى عليين في جوار ربّ العالمين، وأن يصل الى مقام "لا يرى به إلاّ الله"، ولكن بتركه جمع المواهب والمِنَح الإلهية فإنّه سيسقط الى أسفل سافلين.
إضافةً إلى هذا، فان الانسان الذي لا يسير في جادة الخير والهداية، فانه سيستخدم تلقائياً جميع المواهب والقابليات الإلهية في سبيل الشر، وسيرتكب جرائم مفجعة ويخترع وسائل رهيبة لم يدنُ الى مستوى وحشيته أيٌّ من الحيوانات المفترسة. كما نشاهد نماذجه في عصرنا الحاضر عند أُناس بعيدين عن
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ - في حديث للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول فيه: "إن الله أوحى إليَّ أنَّه مَن سلك مسلكاً يطلب فيه العلم سهلت له طريقاً الى الجنة". (بحار الانوار الجزء ١ الصفحة ١٧٣).