نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٢
وأدلة واضحة ومنطقية ورسائل يشهد محتواها على أحقيتهم، إلاّ انهم لم يخضعوا للحق واستمروا في تكذيبهم.
ويقول الله في ذيل الآية: (كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ)، وهذه اشارة الى ان الاعتداء والعدوان على الرسل يترك حجاباً في القلب يحول دون معرفة القلب لآيات الله وتمييزه بين الحق والباطل.
إن الطبع على القلوب كما يمكنه أن يكون عقاباً إلهيّاً للمعتدين، يمكن أن يكون أثراً من آثار الاستمرار في الاعتداء، والمراد من الاعتداء هنا هو الاعتداء على الساحة الالهية والمعصية واقتراف الذنوب ومعاداة الرسل.
إن جملة: (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) إشارة الى أن بعض الرسل جاءوا إلى أقوامهم فكذبوهم، ثم أرسل الله إليهم رسلا آخرين مع أدلة واضحة فما آمنوا كذلك، وذلك لأن عنادهم نسج حاجباً سميكاً على عقولهم فأصبحوا لا يفهمون شيئاً ولا يعقلون.
ويقو البعض: إن المراد من المكذبين في الآية قوم نوح الذين أُغرقوا بالطفوان، والمراد من القوم الذين لم يؤمنوا الأقوام التي جاءت بعد قوم نوح وقد سلكوا مسلك قوم نوح في الاعتداء على الرسل وتكذيبهم(١).
ويبدو هذا التفسير بعيداً لان لازمه اختلاف مرجع الضميرن في (كذّبوا) و(ليؤمنوا)، ولهذا فالافضل هو التفسير الأول.
ويحتمل ان يكون المراد هو: الاقوام التي جاءت بعـد نوح والتـي قـد نُقِلت لها حقائق عن دعوة الانبياء السالفين فكذبوا تلك الحقائق، ثم جاءتهم رسل فكـذبوهم كذلك، وعلى هذا فالتكذيب الاول يتعلق بما نُقِلَ وحُكِي لهم، والتكذيب الثاني يتعلق بالامور التي شاهدوها من الانبياء بأُم أعينهم(٢) ويبدو ان هذا التفسير مناسب، ولا يبعد الجمع بين التفسيرين.
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ - مجمع البيان الجزء ٥ الصفحة ١٢٥.
٢ - روح المعاني الجزء ١١ الصفحة ١٤٣.