نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٠
ونضيف الى ما قاله الفخر الرازي: ان كلا من آيات القرآن لا يمكن دراستها وملاحظتها لوحدها من دون ملاحظة ودراسة الآيات الاخرى فضلا عن صدر وذيل الآية الواحدة، كما نقول: إن الآية بصدرها وذيـلها دليل على مسألة الاختيار لا شيء آخر، وذلك لأن صدرها يقول: إن الاعراض عن آيات الله واقتراف الذنوب من أفعال الانسان وهو فاعلها باختياره، بينما ذيل الآية يقول: إن الله يعاقب المُصرّين على السير في هذا الطريق، وعقابهم هو جعل الأكنة على
قلوبهم.
وبتعبير آخر: إن الله جعل لهذه الذنوب آثاراً ومردودات، وتلك هي تعكُّر صفاء القلب، وسلب قدرة التمييز عن الانسان، وأي جبر في هذا الحديث؟!
مثله كمثل الخبير الذي يعلم بأن السم قاتل، وبالرغم من ذلك يتناوله. فهل هذا. التأثير القهري للسم جبر؟!
* * *
وقد أشارت الآية الاخيرة الى المعاندين والمتحججين الذين يسألون ـ أحياناً ـ هذا السؤال: لِمَ لَمْ ينزل القرآن أعجمياً كي نعيره أهمية أكبر ولكي لا ينحصر في العرب؟
(قد يكون غرضهم الأساسي من هذا هو عدم فهم الناس عامة له والاقبال عليه إذا ما كان عجمياً).
فأجابهم القرآن في صدر الآية: (وَلَوْ جَعَلْنـاهُ قُرآناً أَعْجَمِيّاً لَقالُوا لَوْ لا فُصَّلَتْ آياتُهُ) أي لأشكلتم اشكالا آخر وهو: ان القرآن مبهم وغامض، ثم يضيف القرآن: (ءَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) أي هل يصحّ لنبي عربي أن يحمل قرآناً أعجمياً؟ وهذا اشكالهم الآخر اذا ما نزل بلسان أعجمي.
ثم أمـر الله الـرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يجيبهـم هـكذا: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً