نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٨
والآية الثانية بعد ما أشارت الى سلوك فريق من اليهود وعدائهم للأنبياء قالت: (فَبما نَقْضِهِمْ مِيْثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ ...).
يقـول القرآن: إنهم لا يفقهون شيئاً وذلك لكفرهم فطبع الله على قلوبهم من جراء ذلك.
بـديهي ان المـراد من الكفر هنا هو الكفـر المتزامن مـع العناد، والكفر المتزامن مع العداء للأنبياء، والكفر المتزامن مع نقض المواثيق باستمرار والاستهزاء بآيـات الله، ومسلم أن كفراً كهـذا يجعل حجـاباً على عقـل الانسان لا يسـمح لصاحبه أن يدرك الحقائق، وهـذا شيء صنعته أيـديهم ولا جبـر في البين.
ويظهر ان مرادهم من "قلوبهم غلف" هو الاستهزاء بايات الله وبشخصية موسى بن عمران، لا أنهم يعتقدون أن قلوبهم خُلِقت مغلَّفةً لا تفهم الحقائق (كما جاء ذلك في بعض التفاسير)(١)، إلاّ أنَّ الله أخذ كلامهم بالجد وأجابهم: (بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ).
وهناك احتمال آخر وهو ان مرادهم من الجملة هو أن قلوب كلٍّ منهم كالوعاء المليء بالعلم والغمد الذي فيه السيف فلا تحتاج لعلوم الآخرين(٢)، إلاّ أن هذا الاحتمال بعيد جداً.
وعلى هذا، فهناك ثلاثة احتمالات في تفسير الآية والأول أنسب من الاخرين، وقد نقل في بعض التفاسير حديث ذا مغزىً عميق عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول فيه: "الطابع مُعَلّق بقائمة العرش فاذا انتهكت الحرمة وعُمِل بالمعاصي واجتُريء على الله تعلى بَعَثَ الله تعـالى الطابع فطبـع على قلبـه فلا يعقـل بعد
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ - الميزان الجزء ٥ الصفحة ٣٨، والقرطبي الجزء ٣ الصفحة ٢٠٠٤.
٢ - لقد جاء هذا الاحتمال في التفاسير التالية: الفخر الرازي الجزء ١١ الصفحة ٨٧، والقرطبي الجزء ٣ الصفحة ٢٠٠٤، وروح المعاني الجزء ٦ الصفحة ٨.