نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٤
نحو رحمة الله وتركتمونا في العذاب؟
فيجيبهـم المؤمنـون "بلى" كنا معكم في مجتمـع واحـد، في الزقـاق وفي السوق، وفي السفر والحضر، وكنا جاراً لكم، بل عشنا في بيت واحد، ولكنكم أخطتم خمسة أخطاء فاحشة، الأوّل أنكم سلكتم طريق الكفر والنفاق ففتنتم أنفسكم (وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُم اَنْفُسَكُم).
وثانياً، أنكم (تربصتم) وترصدتم فشل المسلمين، وموت الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتحججتم في كل عمل خير.
وثالثاً (وَارْتَبْتُم) وترددتم خاصة في مسألة المعاد، وحقانية الاسلام.
ورابعاً (وَغَرَّتْكُمُ الأَمانِيُّ) التي نسجت حجاباً ضخماً على عقولكم وأفكاركم (حَتّى جاءَ أَمرُ الله).
وخامساً (وَغَرّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ) أي غركم الشيـطان بعفـو الله ووعدكم بألاّ يَنالَكُمْ عذابه.
نعم، إن هذه العوامل معاً أوجدت المنظر الذي صوره القرآن لنا، وهي التي سببت خلق سور عازل بين المؤمنين والمنافقين.
إن شـاهد حديثنـا هو الجملة الرابعة، حيث جـاء فيهـا (وَغَرَّتْكُمُ الأَمانِيُّ)، فان الأماني قد تصل الى درجـة بحيث تشغـل فكر الانسـان بالكامـل، فيغفل عن كلّ شيء، ويظل فـي عالـم الوهـم والظن، فتعمـى عينا، ويثقـل سمعـه، ويفقـد وعيـه ( إذا كان واعيـاً )، ويضـل فـي الظلمات التـي وضعها بنفسـه
تائهاً.
إن سعة الأماني قد تصل الى درجة يرسم صاحبها خططاً لنفسه لا يمكن تطبيقها حتى لو كان نوحاً في العمر، وقد يقوم بمقدمات امنيةً، الكلُّ يعلم بعدم امكانها حتى لو كان قد بدأ بها منذ قرون، وهذا هو حجاب الاماني الذي يحول دون المعرفة.