نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٩
* * *
وفي الآية الثالثة عشرة تعبير يهز الضمائر حيث يقول تعالى: (اِنَّها لا تَعَمَى الأَبْصارُ وَلْكَنْ تَعَمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج / ٤٦)، أي ان الحاسة الباصرة اذا فقدت فهذا ليس بعمى، لإمكان أن يسد العقل اليقظ فراغها، وانما الشقاء والبؤس والتعاسة في القلوب اذا عميت، فعمي القلوب أكبر حاجب عن إدراك الحقيقة، والانسان بنفسه يعمي قلبه، ولقد أثبتت التجربة ان الانسان إذا ما جعل عصابة على عينيه أو مكث في ظلام لمدة طويلة، فان سيفقد باصرته تدريجياً، كذلك الأمر بالنسبة للذين يغمضون عيون قلوبهم عن الحقائق، أو يمكثون مدة طويلة في ظلمات الجهل والغرور والإثم فان قلوبهم ستعمى، وتكون غير قادرة على إدراك أي حقيقة.
يُشكِكُ البعض أنه لا يمكن أن يراد من القلب (الذي في الصدر ويضخ الدم الى جميع أعضاء البدن) العقل والروح.
إلاّ أنه بملاحظة استعمال " الـصدر " بمعنى الـذات والفطرة يتضح لـنا أن المراد من (القلُوبُ الِّتِي فِي الصُّدُورِ) هو الادراك العقلي المودع في طبيعة الانسان.
إضافة الى هذا، فان القلب أول عضو في بدن الانسان يتأثر بعواطف وأحاسيس وادراكات الانسان، نلاحظ ان اتخاذ قرار مهم ، أو حصول حالة غضب شديدة ، أو الاحساس بالحب القوي تجاه شخص ما يُزيد من دقات القلب ، فإذا استعمل القلب الظاهري كناية عن العقل ، فلأجل العلاقة الوثيقة التي بينه وبين الروح(١).
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ - للمزيد من العلم راجع (التفسير الأمثل) الجزء ١ ذيل الآية ٧ من سورة البقرة والجزء ١٤ صفحة ١٣١.