نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٦
المعرفة، وقد اعتبرت الآية الثامنة الطبع سبباً لعدم السمع (فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ)، واعتبرت الآية التاسعة الطبع سبباً لعدم الفقه والفهم (فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ)، والمراد في الموردين واحد، فكما قلنا: إن المراد من عدم السمع هو عدم الادراك والوعي والفهم.
وهذه المرحلة أشد من المراحل السابقة، فالمرحلة الاولى هي جعل الاكنة على القلوب، ثم الغلاف عليها، وفي النهاية يطبع عليها للحيلولة دون نفوذ أي شيء فيها، كما ذكرنا ذلك في بحث شرح المفردات.
طبعاً: إن ابتلائهم بهذا المصير ليس اعتباطياً، بل لأسباب أشارت إليها لآية السابقة حيث قالت: (اِذا أنزلت سُورةٌ أن آمِنوا بالله وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتأذَنَك أُولُوا الطوْل مِنْهُمْ وَقالُؤا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعدِين رضوا بأن يكونوا مع الخوالِف وَطُبع عَلى قُلوبِهم فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ).
إذن إعراضهم عن الجهاد وتـخلفهم عـنه هـو السبب في الـطبع على
القلوب.
وآية اخرى أشارت الى سبب آخر من أسباب الطبع، حيث قالت: (أوَلَمْ يهدِ لِلَّذينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعد أهلها أنْ لَو نَشاء أصبْناهُم بِذُنُوبِهِم) أي انهم يذنبون رغم رؤيتهم وعملهم بأحوال السابقين وابتلائهم بالعذاب الالهي من جراء ذنبوهم، فطبع على قلوبهم.
ومما يذكر هنا ان الطبع جاء في الآية الثامنة بصيغة المضارع "نطبع" وفي التاسعة بصيغة الماضي "طبع" وهذا تلميح الى أنَّ الطبع نتيجة سوء أعمالهم وتصرفاتهم.
يقول بعض المفسرين : إن المراد من " الطبع " في مثل هذه الآيات هو
نفس السبك والنقش الذي يستخدم للدراهم والمسكوكات، وهو نقش ثابت