نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٣
أن قلوبهم وأفكارهم منحرفة فيرون آيات الله منحرفة ايضاً، كالمرآة المعوجة تنعكس فيها الصور معوجة.
* * *
والآية الرابعة تشير الى الصدأ والرين الذي يعلوا القلوب ، فإنه كالغبار الذي يـعلو القلوب بسبب الذنوب والمعاصي ، فيتراكم الغبار عليها حتى تتحجر ، ويغطي الصدأ القلب كله، حيث قالت الآية: (كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِم
ما كانُؤا يَكسِبُون)فلا عجب في عدم تمكّنهم من رؤية الحقيقة.
* * *
وتحدثت الآية الخامسة عن تفاقم الحالة السابقة وتبدلها الى مرض باطني، فبعد إشارتها الى الالقاءات والوساوس الشيطانية حتى للانبياء والمرسلين قالت: (لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِيْنَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ).
نعم، إن هذه القلوب التي لا تستلذ بطعم الحقيقة، بسبب مرضها، وحلاوة الحقيقة عندما كالمرارة، مؤهلة لوسوسة الشياطين.
ومما يلتف النظر هنا أن جملة (فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ). تكررت اثنا عشر مرة في القرآن، مما يكشف الأهمية التي أولاها الله لهذه المسألة، مع الالتفات الى أن أغلب هذه الآيات عنت المنافقين وصُرّح بذلك في عدد منها(١).
إلاّ أن المرض جاء في بعض من هذه الآيات بمعنى "الشهوات والميول والهوى"، كما هو الحال في الآية (٣٢) من سورة الاحزاب، حيث يقول فيها تعالى: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَولِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ).
وعلى أية حال ، فان المستفاد من الآيـات هو أن الانسان كما يصاب جسمه بامراض، كذلك روحه فانها قد تصاب أمراض سببها "النفاق" تارة و"الاهواء والميول" تارة اخرى، وتغيّر عند عروضها ـ ذائقة روح الانسان بالكامل، كما
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ - الانفال: ٤٩، والاحزاب: ١٢ و ٣٢.