نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٢
فانه كان محلا لامتحان عظيم للوصل الى مقام الامامة وقيادة الامة الرفيع، فقد أُمر بذبح ابنه العزيز "اسماعيل"، رغم أنّ الأمر أوحي إليه وهو نائم، أي ان الايعاز كان مناماً لا شيئاً آخر، ولنقرأ ما يقوله القرآن في هذا المجال:
(فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قالَ يا بُنَىَّ إنِّي أُرى في الْمَنامِ أَني أَذْبَحُكَ
فَانْظُرْ ما ذا تَرَى قَالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُني إنْ شاء اللهُ مِنَ
الصّابِرِينَ)
(الصافات / ١٠٢)
إن التعبير بـ "أرى" الذي هو فعل مضارع يفيد الاستمرار يدل على أن ابراهيم(عليه السلام) كان يرى الرؤيا كراراً، بحيث حصل له اطمئنان بأن الأمر من الله، ولهذا أجابه اسماعيل بهذا الجواب: (يا أَبتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاء اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ).
ولهذا السبب نفسه جاء في الآيتين ( ١٠٤ و ١٠٥ ) من نفس السورة : (وَنادَيْناهُ أَنْ يا إبْرَاهِيمْ ـ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا).
والحادث هذا ، دليل واضح لأولئك الذين يـقولون بامكانية عـد الرؤيا الصادقة نوعاً من أنواع الوحي للانبياء والرسل، كما أنه قد جاء في بعض الروايات: "إن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءً من النبوة"(١).
وقد شكك بعض الاصوليين في مسألة نسخ الحكم قبل العمل به إلاّ أن
كلامهم ـ وكما ذُكِرَ في محله ـ يختص بالأوامر غير الامتحانية، أما في الامتحانية فهو غير صادق، والتعبير بـ "قد صدَّقَتْ الرؤيا" دليل على أن ابراهيم(عليه السلام)قد أدى ما عليه بما جاء به من تتهيئة المقدمات لهذا الايثار الكبير.
٤ ـ ومن الرؤى الصادقة في القرآن، هي رؤيا يوسف في بيت أبيه، حيث أشارت إليها الآيات الاولى من سورة يوسف:
(إِذْ قالَ يُوسُفُ لاَِبِيهِ يا أَبَتِ إنّي رَأَيْتُ أَخَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ - بحار الانواز الجزء ٥٨ الصفحة ١٦٧ و ١٧٧ و ١٧٨.