نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٠
أيام في بعضها الاخر وفي روايات اخرى بثمانين فرسخاً(١).
لا دليل على حمل الآية على المعنى المجازي والقول بأن شم رائحة القميص كناية عن قرب لقائه بيوسف حيث ألهم الأب بذلك اللقاء (مثل قولنا نشم رائحة انتصار المسلمين على الأعداء)، وذلك لأنه مع امكان حمل الألفاظ على الحقيقة لا يمكن الحمل على المجاز.
وفي النهاية نستنتج أن مكاشفة حصلت ليعقوب ورفعت عنه الحجب، وباحساس يفوق الاحساس الظاهري استطاع أن يشم رائحة قميص ابنه من بعيد.
* * *
وقد تحدثت الآية الثامنة والاخيرة عن قصة تمثّل الملك الالهي لمريم حيث يقول القرآن في هذا المجال بصراحة:
انعزلت مريم عن أهلها في الضفة الشرقية من " بيت المقدس "، واتخذت حجاباً بينها وبين الناس ( وهذا الحجاب اما أن يكون لأجل التفرغ للعبادة ولانجوى أكثر، أو أن يكون لأجل التطهير والغسل )، وأيّما كان فان الله أرسل إليها روحه، فتمثل لها بشراً وانساناً سويّاً اي كاملا من دون عيب وذا هندام جميل، ففزعت مريم في الوهلة الاولى، لكنها اطمأنت عندما قال لها: (إنما انا رسول ربّك لأهب لك غلاماً زكياً) أي عيسى (عليه السلام).
واستمر الحديث بينهما طويلا، وقد ذكر في سورة مريم(٢).
ادعى البعض ان الملك تمثل لمريم في حس الباصرة فقط، (وليس في الخارج)، لكن هذا خلاف الظاهر ولا دليل عليه، والقرائن على أن هذا الشهود قد حصل لمريم فقط، ويحتمل انه اذا كان أحد معهما ما كان قادراً على الرؤية، وعليه فالآية قرينة اخرى على مسألة امكانية الشهود حتى لغير الأنبياء.
ــــــــــــــــــــــــــــ
١ - تفسير مجمع البيان الجزء ٥ الصفحة ٢٦٢، وتفسير الفخر الرازي الجزء ١٨ الصفحة ٢٠٧.
٢ - راجع تفسير الأمثل الجزء ١٣ الصفحة ٣٢ فما بعد.