نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٧
فتارة يقولون: إنَّ العقل يحد الانسان من تصرفاته ويسلبه حريته، حيث يجعل أمامه موانع تحول بينه وبين ما يريد أن يقوم به من عمل حراماً كان او حلالا حسناً أو قبيحاً خيراً أو شرّاً، فلو لم تكن لنا عقول لكنّا أحراراً.
وتارة يقولون: إنه يسلب راحة الانسان حيث نرى العقلاء والذكياء من الناس لا راحة لهم، إلاّ أن البسطاء من الناس فرحون وسعداء دائماً لانعدام تأثير العقل عليهم.
واذا قرأنا أشعاراً مفادها ذمُّ العقل او الانتقاص منه أو الاستهانة به فمن الواضح كونها مزاحاً أو سفسطة او كناية عن مفاهيم اخرى ويستبعد أن يكون مرادهم ذم العقل، بل إنهم يقصدون أن هناك اموراً مؤلمة تحيطهم، والناس في غفلة عنها.
أو أن قصدهم من الجنون المذكور في بعض الأشعار كصفة للعقل، هو الجنون العرفاني والمراد منه العشق الالهي، والتضحية بكل شيء في سبيله.
وعلى أية حال، صحيح ان العقل يقيد من حرية الانسان وبعض تصرفاته،
إلاّ ان هذا فخر له، لأنه يرشدهُ نحو التكامل إنَّ هذا الادعاء يُشْبِهُ ادعاء من قال: "إن الاحاطة بعلم الطب يحد من انتخاب الانسان لأنواع الأطعمة ومن امور اخرى". وهل هذا نقص؟! أم أنه ينقذ الانسان من الاصابة بالامراض وفي بعض الأحيان من التسمم القاتل.
اما القول بأن العقل يزيد من هموم الانسان وأحزانه، فهذا يرفع من منزلة الانسان، لأن العاقل من يتحسّس آلام المضطهدين والمظلومين ويتألم من سلوك المعاندين وبالتالي فهو دليلٌ على الكمال، وكما جاء في المثل: (ما أن يكون ضعيفاً ونحيفاً كسقراط في زهده او سميناً وبديناً كالخنزير).
نعم، اذا غفلنا عن مسألة التكامل الانساني واعتبرنا الأصل في الحياة هو اللذة المادية، فان ما يتفوه به بعض المؤيدين لإصالة اللذة المادية صحيح، لكن هذا الحديث مضحك ولا قيمة له من وجهة نظر الانسان الموحّد أي الذي يؤمن