نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٣
المهمة للعلم والمعرفة، إلاّ أن الفلاسفة الحسيّين يخالفون هذا الأمر، ولا يعيرون للادراكات العقلية أهمية واعتباراً ـ كما أشرنا الى ذلك سابقاً ـ ويحصرون طرق المعرفة بالتجارب الحسية متذرّعين بالحجج الواهية الآتية:
١ ـ اختلاف الفلاسفة في المسائل العقلية، فان كلَّ طائفة منهم تعرض ادلة ظاهرها يوحي بأنها منطقية.
٢ ـ وقوع كثير من العلماء بأخطاء معتقداتهم بحيث يضطر البعض للاعتراف بخطئه ويسعى لتصحيحه.
٣ ـ كما يجب إضافة أمر آخر الى الأمرين السابقين وهو: إن التقدم والتطور السريع للعلوم الطبيعية في القرون الاخيرة حلَّ الكثير من لاغاز العالم وأسراره عن طريق التجربة الحسية، وهذا الأمر قَوّى فكره الاستناد الى التجربة الحسية (في مجال المعرفة) فقط، وألغى بقيّة الطرق.
ونقرأ في (فلسفة التاريخ): إن موضوعاً كهذا الموضوع سبب انكار الحقائق (الحسية وغير الحسية) من قبل السوفسطائيين في اليونان القديمة. فمن جهة نظروا الى اختلاف العلماء، ومن جهة اخرى نظروا الى عوام الناس، فبعضهم يؤيدون إدعاء وكيلي المتنازعين في المحكمة، ويعطون الحق بيد كل من الطرفين وكأن كلا لطرفين على حق، ولهذا قويت عندهم فكرة أن لا حقيقة واقعاً.
ينبغي الالتفات الى عدة امور لرفع كل هذا الالتباس:
الأمر الاول: هو وجوب فصل "الادراكات البديهية" عن "النظرية" عند التحقيق في مسألة الادراكات العقلية، وذلك لأن الاخطاء لا تحصل في البديهيات، فلا يشك أحد في ان الاثنين نصف الاربعة، ان أن شيئاً لا يمكن ان يكون موجوداً ومعدوماً في آن واحد ومكان واحد، واذا شاهدنا اشخاصاً يشككون في هذا الأمر أو يعتقدون، خلاف ما هو بديهي فهم يتلاعبون بالألفاظ لا اكثر، فيفسرون (النقيضين) او "الضدين" بمعان غير تلك المعاني المتعارف عليها،