نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٠
تحافظ على مصالحه، ولهذا نرى أن القوانين البشرية في حالة تغيير دائمي، فاذا كان الانسان يجهل مصيره الى هذا الحد، فكيف به اتجاه الموجودات الاخرى التي في الكون؟
وأخيراً، فان تاسع وآخر آية في البحث تحدثت عن العلم الالهي اللامتناهي، وصوّرت اللانهاية في الاذهان بحيث يستطيع حتى الذي لم ينل من العلم إلاّ القليل بل وحتى الأُمي أن يرسم في ذهنه صورة عنها. بالرغم من صعوبة تصور اللانهاية حتى للعلماء، حيث قالت: لو أن ما في الارض من شجر يصير قلماً رغم أن الاشجار قد يصل عددها الى مليارات (بل قد يُصنع الملايين
من الاقلام من شجرة واحدة: وبالرغم من أنّ حوضاً صغيراً قد يملأ الملايين من الدواة فكيف بالمحيطات والبحار، واضافة الى هذا كله، لو اجتمعت الملائكة وكُتاب الانس والجن على أن يكتبوا بهذه الاقلام وهذا الحبر كلمات الله وعلمه ما استطاعوا وسوف تنصرم الاقلام وينتهي الحبر وما زالت كلمات الله جل جلاله وعلومه في بداية الدفتر، هذا من جهة.
ومن جهة اخرى فأنّنا نعلم أن المراد من كلمات الله هو الكائنات الموجودة في العالم، وعلى هذا فالآية دليل واضح على سعة العالم وقصور علم البشر.
* * *
نتيجة البحث:
إن ما يستخلص من الآيات السابقة هو أن معرفة الانسان وعلومه رغم سعتها بحد ذاتها ورغم ازديادها كل يوم بل كل ساعة ولحظة، ورغم امتلاء الدنيا بالمدارس والجامعات والمكتبات ومراكز التحقيق، رغم هذا كله فان معلومات الانسان بالقياس الى مجهولاته كالقطرة بالنسبة للبحر.
إذا لم يكن الانسان عارفاً بخيره وشره ونفعه وضره ولا بِكُنْهِ روحه التي هي أقرب إليه من أي شيء آخر، ولا بالحوادث المقبلة عليه، ولا بساعة موته،