شرح نهج البلاغة - القزويني الحائري، السيد محمد كاظم - الصفحة ٤٥ - المعنى
فهؤلاء الاشراقيون و هم تلامذة افلاطون ينفون علم اللّه تعالى بالأشياء قبل وجودها مستدلين فى ذلك بأن تعلق العلم بالمعلوم لا يكون إلا بعد حضور ذات المعلوم الموجودة عند العالم و المعلوم قبل الوجود لا حضور له فلا يتعلق به العلم و هذا الكلام صحيح وجيه إذا نسب الى علم المخلوق و لكن نسبة هذا الى اللّه تعالى جهل و ضلالة ، بيان ذلك قد سبق القول ان صفات اللّه عين ذاته و علمه صفته ، و ذاته قديم ازلي فلا بد من القول بأنه كان عالما بجميع الأشياء قبل وجودها ، و إلا لزم القول بأن لصفته حد محدود و وقت معدود و أجل ممدود ، و لقد سبق نفي ذلك في صدر الخطبة و توضيح المقال يأتي في البحث عن الجبر و التفويض إن شاء اللّه ، و لقد ذكرت الآيات و الأحاديث الصحيحة الواردة عن أهل البيت ( ع ) في بيان ذلك . ففي التوحيد عن الحسين بن بشار عن ابي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام قال : سألته أ يعلم اللّه الشيء الذي لم يكن ان لو كان كيف كان يكون أو لا يعلم الا ما يكون ؟ فقال ( ع ) :
ان اللّه تعالى هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء ، قال عز و جل : انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون . و قال لأهل النار : و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه و انهم لكاذبون فقد علم اللّه عز و جل بأنهم لو ردهم لعادوا لما نهوا عنه . و قال للملائكة : لما قالت أ تجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك قال : اني اعلم ما لا تعلمون . فلم يزل اللّه عز و جل علمه سابقا للأشياء ، قديما قبل أن يخلقها ، فتبارك ربنا و تعالى علوا كبيرا ، خلق الأشياء و علمه سابق لها كما شاء كذلك لم يزل ربنا عليما سميعا بصيرا .
( محيطا بحدودها و انتهائها ) و معنى الاحاطة هنا إحاطة العلم و القدرة كما قال عز من قائل : الا انه بكل شيء محيط و أحاط بكل شيء علماً و إحاطة العلم هي شمول العلم بوجود الشيء و جنسه و جميع خصوصياته . و حدودها و انتهائها