شرح نهج البلاغة - القزويني الحائري، السيد محمد كاظم - الصفحة ٤٤ - المعنى
الى غير ذلك من الأمثلة . هذا و قد طال الكلام في هذا المقام فلقد انتقلنا من شرح الخطبة الى بيان حياة الحيوان ، و لم نقصد بها سوى بيان شيء يسير من اسرار الخلقة التي اودعها الحكيم الذى اتقن كل شيء خلقه . و ثبتها فى مخلوقاته على اختلاف اجناسهم و انواعهم و اشكالهم ا فبعد هذا كله هل يشك احد فى اللّه ؟ او هل يقول احد بالطبيعة و يعتقد بها ؟ فينكر الصانع و يجحد الخالق كما هو شأن المبادىء الهدامة .
ثم ليت شعري و ليتني كنت ادري ما هذه الطبيعة المزعومة التي تنسب اليها هذه الأفعال المدهشة و الاتقان المحكم فى الخلق ، و الأعمال التي عجزت عقول الحكماء و أفهام العلماء عن إدراك حقيقتها ؟ فهل هذه الطبيعة ( المجهولة الهوية ) ذات علم و قوة و إدراك و إحاطة و قدرة ؟ فان كانت كذلك فما المانع من إثبات ذلك للّه عز و جل ؟
و ان كانت الطبيعة لا تشعر و لا تدرك و لا تعقل فكيف صدرت عنها هذه العجائب ؟
هذا و الكلام طويل و لنا مجال فى المستقبل لبسط الموضوع .
و اعلم ان الطبائع الغرائز موجودة فى الانسان ملازمة له ، بحيث تبدو و تنمو و تظهر و تكبر تدريجا و تضعف و تقل شيئا فشيئا ، و موجودة في الحيوان كالأمثلة المتقدمة و موجودة فى النبات كالأدوية و العقاقير ، و في الجماد كبعض المعادن و المياه المعدنية .
( عالما بها قبل ابتدائها ) أي كان اللّه عالما بالأشياء قبل وجودها ، و كان علمه بالأشياء قبل وجودها كعلمه بعد الوجود ، و اعلم ان هذا الموضوع معترك آراء الحكماء و الفلاسفة من القدماء و المتأخرين ، فذهب كل قوم منهم الى قول ، و هذا طريق زلق ، و بحث دقيق ، يحتاج الى فكر وقاد و ذهن صافي كالمرآة ، و تأمل و تدبر و اطلاع وافر على المسائل الحكمية ، و لا بأس بذكر الأشكال إجمالا و موضع الخلاف :