شرح نهج البلاغة - القزويني الحائري، السيد محمد كاظم - الصفحة ٢٠٠ - المعنى
انك لا ترى حبتين شبيهتين احدهما بالاخرى بحيث لا فرق بينهما ، فلا بد أن يكون فرق بين كل حبة و اخرى من الحجم و اللون و الشكل و الصورة و غيرها ، بل اريد أن أقول : لم يخلق اللّه تعالى الى الآن حبتين من الحنطة مثلا بلا فرق بينهما و لا يخلق إلى يوم القيامة ، فكل حبة تراها فاعلم انه لا توجد حبة مثلها بلا فرق ، و ليس هذا خاصا بالحنطة أو الشعير ، بل جميع الحبوب و الأوراق و الفواكه و الاثمار هكذا ،
بل جميع المخلوقات كذلك ، فان كل انسان له رأس و يدان ، و وجه و عينان و انف و اذنان و فم و شفتان ، و كل منهم خلق من مني يمنى ، و مكث في رحم امه ، مع ذلك كله لا ترى انسانين لا فرق بينهما حتى الأخوين بل حتى التوأمين و إن لا تقبل هذا الكلام فالامتحان أكبر برهان .
و قال جمهور المفسرين : فلق الحبة شقها الذي في وسطها ، و وجه الحكمة و بداعة الصنع ان حبة الحنطة أو الشعير مثلا غايتها أن ينتفع بها الانسان ، جعل اللّه في وسطها شقا ، فاذا وقعت الأرض ، و وصل اليها الماء ، ثم مرت عليها مدة من الزمن ، جعل اللّه سبحانه الطرف الأعلى من ذلك الشق مبدئا لخروج الشجرة الصاعدة ، و الطرف الأسفل مبدئا للعروق النازلة الى الأرض ، التي منها مادة الى تلك الشجرة ، فالسر المدهش المحير للعقول هو ان طبيعة الحبة اذا كانت تقتضي الهوي و النزول الى الأرض فكيف تولدت منها الشجرة الصاعدة الى عنان السماء ؟ و إذا كانت طبيعتها الصعود الى السماء فكيف وجدت العروق الثابتة في أعماق الأرض ؟
بحيث كلما ازداد الشجر أو الزرع صعودا و علوا في السماء ازداد هبوط العروق في الأرض ، و بعبارة اخرى : طول عروق كل شجرة أو نخلة في أعماق الأرض بقدر طول الشجرة أو النخلة التي فوق الأرض فهذا معنى فلق الحبة .
و اما برء النسمة أي خلق البشر فهذا الوادي مظلم و طريق وعر ، لا يهتدي