الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ٣٤٦ - الفصل الأول حكم من جنى في الحرم
أن يسكن الحرم».
و روى الصدوق مثله، و زاد في آخره و لذلك كان يتقى الفقهاء أن تسكن مكة
و روى الشيخ في الصحيح عن الحلبي [١] قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل [٢] «وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحٰادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذٰابٍ أَلِيمٍ» فقال: كل الظلم فيه إلحاد حتى لو ضربت خادمك ظلما خشيت ان يكون إلحادا و لذلك كان الفقهاء يكرهون سكنى مكة.
أقول: قد دلت هذه الاخبار و أمثالها على كراهة سكنى مكة و يستنبط منها كراهة ذلك أيضا في سائر الأماكن المشرفة و المشاهد المعظمة، و الوجه في ذلك هو أن شرف المكان كما يقتضي تضاعف أجر الطاعات فيه من حيث شرفه يقتضي أيضا تضاعف جزاء العاصي من حيث هتك حرمته، ألا ترى الى نساء النبي (صلى الله عليه و آله) لمزيد قربهن منه (صلى الله عليه و آله) و الفوز بشرف أمومة المؤمنين قد ضاعف لهم الأجر بقوله [٣] «وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صٰالِحاً نُؤْتِهٰا أَجْرَهٰا مَرَّتَيْنِ وَ أَعْتَدْنٰا لَهٰا رِزْقاً كَرِيماً» و قال [٤] «لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسٰاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ» ثم ضاعف لهم العذاب بالمعاصي فقال [٥] «يٰا نِسٰاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضٰاعَفْ لَهَا الْعَذٰابُ ضِعْفَيْنِ» و هكذا يكون الحكم في جميع الأماكن الشريفة و الأزمان المنيفة، و المشهور بين الأصحاب كراهة المجاورة بمكة، و علل ذلك بوجوه: منها الخوف من الملالة و قلة الاحترام، و الخوف من ملابسة الذنب، فان الذنب فيها عظيم، أو بأن المقام فيها يقسي القلب، أو من سارع الى الخروج منها يدوم شوقه إليها، و ذلك مراد الله عز و جل، و جميع هذه التوجيهات مروية، و قد ورد في الاخبار ما يدل على استحباب المجاورة،
كصحيحة على بن مهزيار [٦] قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) «عن المقام بمكة أفضل أو الخروج الى بعض الأمصار؟ قال: المقام
[١] التهذيب ج ٥ ص ٤٢٠.
[٢] سورة الحج الآية- ٢٥.
[٣] سورة الأحزاب الآية ٣١.
[٤] سورة الأحزاب الآية ٣٢.
[٥] سورة الأحزاب الآية ٣٣.
[٦] التهذيب ج ٥ ص ٤٧٦.