غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٤ - الأول حكم بيع الميتة منضمة إلى مذكى
بغير المستحل في الحكم الذي هو عدم جواز الانتفاع المقتضى لعدم صحة البيع من غير المستحل لأن الأصح مخاطبة الكفار بالفروع وجه الأولوية ان ما بيناه إيراد على تقييد من قيد بالمستحل و تفضيل بينه و بين غيره و ما ذكره هذا المقرر إيراد على نفس الاخبار مدفوع بكونه اجتهادا في مقابلة النص فتدبر و قد أشار الى بعض ما ذكرناه المحقق الورع الأردبيلي (رحمه الله) فقال و لما كان يعنى جواز البيع خلاف ما تقرر عندهم من عدم جواز التصرف في الميتة و عدم إباحة أكل ثمنها ذكروا انه يقصد بيع المذكى لا الميتة و فيه (أيضا) إشكال من جهة لزوم صحة بيع المجهول و هم لا يجوزونه و من جهة انه قد يأخذ أكثر من ثمن المذكى فإنه يبيع الاثنين ظاهر أو من جهة انه يقصد بيع الواحد و المشترى أكثر و انه لو كان مع قصد ذلك يصح البيع لصح بيعه من غير المستحل (أيضا) و مع ذلك فيه انه ما يحل له ان ينتفع به فلا يجوز البيع عليه فتأمل انتهى ثم ان العلامة (رحمه الله) في المختلف على ما حكى عنه لما راى ان الروايتين المذكورتين لجواز البيع على المستحل لا تنطبقان على القاعدة تأولهما بأنه ليس بيعا بل استنقاذ مال الكافر برضاه و قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد بعد نقل ما عن المختلف و هو جيد لكن ينبغي تخصيص الحكم بمن يحل ماله من الكافر الحربي الغير المأمون لا الّذي و لا المأمون و لا المنتمي بالإسلام و كأنه مقصوده و ترك للظهور و لكن حمل الروايتين على ذلك لا يخلو من بعد و كذا عبارات الأصحاب و انه (حينئذ) لا يحتاج الى قولهم فيقصد بيع المذكى و هو ظاهر (فالظاهر) انه بيع حقيقي مع العمل بهما و (حينئذ) ينبغي ان يقال بالاستثناء من عدم جواز بيع المجهول لو سلم خصوصا إذا كان المشتري يشترى المعلوم و لم يكن عنده مجهول فإن العلة الغرر و لا شك (حينئذ) في عدمه منهما معا و هو ظاهر و كذا عن الغرر بقصده أحدهما و قصد المشتري إيّاهما و لكن ينبغي ان لا يبيع بأكثر من ثمن المذكى و حمل الخبرين على هذا و ان كان بعيد أو يخصص عدم الانتفاع بالميتة و عدم جواز أكل ثمنه إلا في هذه الصورة و كذا تسليط الكافر على أكل الميتة للنص و الشهرة و من لم يعمل بخبر الواحد مثل ابن إدريس (رحمه الله) يطرحهما و لم يجوز بيعه انتهى و قد ذكرنا كلامه (رحمه الله) لاشتماله على فوائد منها مصيره الى خلاف العلامة (رحمه الله) حيث حكم بأنه على تقدير العمل بالخبرين بيع حقيقي و منها دعوى الشهرة على مضمون الخبرين هذا و أورد بعض من تأخر على ما حكى عن العلامة (رحمه الله) أولا بما أورده عليه بعضهم من ان ذلك مناف لأصل الحقيقة مخالف لظاهر الخبرين فان المذكور فيهما انما هو البيع و اين هو من الاستنقاذ و ثانيا بان المقصود من الاستنقاذ ان كان ما هو برضى الكافر كما هو مقتضى تقييده فيما نقل عنه (رحمه الله) من كلامه فرضاه لم يتعلق الا ببذل المال في مقابل المذكى و الميتة جميعا و معلوم ان رضاه ببذل العوض في مقابل الميتة لا بجعل العوض مباحا لكون المعاوضة غير مشروعة و ان كان ما ليس برضى الكافر فهو مع كونه منافيا لتقييده يتجه عليه انه لا يخلو اما ان يكون الكافر ذميا و اما ان يكون حربيا فالأول لا يجوز المعاملة معه الا على الوجه الذي يعامل به مع المسلمين فلا يجوز استنقاذ أمواله الا بالمعاوضة المشروعة فيما بين المسلمين مضافا الى انه ليس في أهل الذمة الّذين يستحلون الميتة التي هي ما لم يذك على وجه مشروع عندنا من يشترى من المسلمين ذبائحهم حتى يباع عليهم و لهذا ورد في بعض الاخبار تعبير من يجوز الأكل من ذبائح أهل الكتاب بأنهم إذا لم يجوزوا الأكل من ذبائحكم فكيف تلتزمون أنتم بالأكل من ذبائحهم و الثاني لم يكن موجودا في زمان صدور الاخبار و مكانه فإنها صدرت عن الصادق (عليه السلام) في الكوفة و لم يكن في ذلك الوقت في تلك الحدود كافر حربي بل كلهم كانوا مسلمين أو أهل ذمة و من كان من أهل حرب يدخل في بلاد الإسلام فإنما كان يدخل بعنوان الأمان فيرتفع عنه حكم الحربي و لم يعهد نقل المذكى و الميتة إلى البلاد البعيدة الا ان يراد بمستحل الميتة خصوص الكافر المعاهد الذي ليس من أهل الكتاب و لم يحارب و لم يلتزم بالذمة لكنه معاهد لأهل الإسلام
في دفع العدو إذا أقبل إليهم فإنه لا يجرى عليه أحكام أهل الذّمة أو يراد به العامة القائلون بطهارة جلد الميتة بالدباغة فيباع الجلد و يدفع إليهم الميتة تماما بالتبع فتحصل مما ذكرنا انه لا وجه لتأويل الخبرين بل لا بد اما من الفتوى بهما و اما من طرحهما لكن الفتوى بهما مما لا وجه له إذ هما مع انهما لا مورد لهما مخالفان للكتاب و السنة القطعية حيث وقع النهى فيهما عن الميتة و الانتفاع بها فيلزم طرحهما و ترك العمل بهما هذا محصل ما ذكره و جعل هذا البيان تفسيرا لما حكاه عن الشيخ الفقيه المحقق جعفر الغروي (رحمه الله) في شرحه على القواعد من ان الخبرين مسوقان للتعجيز و أنت خبير بما فيه اما أوّلا فلان مراد العلامة (رحمه الله) من التقييد بالرضا افادة مجرد كون دفع المال بالرضا في مقابل أخذه منه قهر أو ليس مراده (رحمه الله) خصوص الرضا بالمعاملة فلا يتجه الإيراد عليه بأنه رضى بدفع المال في مقابل الميتة و اما ثانيا فلان ما ذكره من انه ليس في أهل الذمة من يشترى من المسلمين ذبائحهم يكذبه الوقوع الخارجي فإن امة المسيح (عليه السلام) قد رأيناهم يأكلون ذبائح المسلمين و يشترون منهم نعم اليهود لا يستحلون ذبائح غير أهل ملتهم و الخبر الذي أشار إليه ناظر إليهم و اما ثالثا فلان ما ذكره من ان الثاني لم يكن موجودا في زمان صدور الاخبار و مكانه يتجه عليه ان عدم الوجود في ذلك الزمان و ذلك المكان مما لا مدخل له في دفع الحكم المدلول عليه بالخبرين لان مؤديهما هو ان حكم اللّه سبحانه هو جواز بيع المذكى و الميتة من المستحل و هذا يصحّ في صورة تحقق مستحل يجوز بيعه عليه في مكان من الأمكنة في زمان من الأزمنة بل يصح مع عدم وقوع المصداق خارجي أصلا لأن الجواز يدور مدار الإمكان و ليس حكما طلبيا حتى يلزم التكليف بغير المقدور و امّا رابعا فلان التخصيص بالمعاهد مما لا وجه له فإنه مبنى على ما ذكره من انتفاء الحربي في ذلك الزمان و ذلك المكان اللذين صدر فيهما الاخبار و احتمال التخصيص بالعامة أبعد لاشتماله مع ما ذكر على البعد من اللفظ فإنهم لا يقال عليهم انّهم مستحلون للميتة مضافا الى ان بيع الجلد لا يقال عليه بيع الميتة و اما خامسا فلان قطعية الكتاب و السنة انما هي بحسب الصدور دون الدلالة لكون ما تضمن منهما حكم الميتة مطلقات أو عمومات و مخالفة الخبرين لهما انما هي بالإطلاق و التقييد أو العموم و الخصوص فنحكم بالعمل بهما في مقابل العمومات المذكورة و غيرها من كل ما خالفهما من القواعد التي أشار الى جملة منها المحقق المذكور (رحمه الله) في طي كلامه و نلتزم بان مضمونهما حكم تعبدي ثبت في مقابل العمومات على خلاف القواعد لكون أحدهما صحيحا و الأخر حسنا و قد عمل بمضمونهما الشيخ (رحمه الله) و ابن حمزة و ابن سعيد و وافقهم صاحب الجواهر (رحمه الله) و صاحب المستند (رحمه الله) و حكى عن المحدث الكاشاني (رحمه الله) و هو الأقوى إذ لا مجال لطرح اخبار أهل البيت (عليه السلام) بغير موهن قال في الجواهر و بالجملة فالمتجه العمل بالخبرين الجامعين لشرائط الحجية خصوصا بعد الشهرة المحكية في مجمع البرهان و ابن إدريس (رحمه الله) طرحهما على أصله انتهى و في المستند ثم ان ما دل عليه الصحيحان من جواز البيع لمستحلى الميتة مذهب جماعة منهم الشيخ (رحمه الله) في النهاية و ابن حمزة و هو الأقوى للصحيحين المذكورين المخصصين للأخبار المانعة عن الانتفاع بالميتة (مطلقا) و عن بيعها لاخصيتهما المطلقة منها من وجوه انتهى و مما ذكرنا من كون الحكم تعبديا مخصوصا بمورده يعلم انه لا يجرى مثله عند اشتباه الخل و الخمر و كذا في غيرهما من الموارد فتدبر فان قلت كيف يجوز ذلك الحكم بجواز البيع مع انك تقول بوجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة و الدليل العقلي القائم بوجوب الاجتناب قائم هنا و هو وجود الحرام الواقعي بين المشتبهين فلا بد من ترك البيع بالنسبة إلى الجميع من باب المقدمة قلت الفرق بين هذا المقام و بين الشبهة المحصورة المتعارفة كالانائين المشتبه طاهرهما بالنجس واضح لأن أدلة الاجتناب عن النجس أو المحرم الواقعي قائمه هناك بخلاف ما نحن فيه إذ لم يرد هناك ما يوجب رفع اليد عن الواقع بخلاف هذا المقام فان ترخيص الشارع في البيع على مستحل الميتة يكشف عن انه رفع