غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٢٨ - المسألة الخامسة و العشرون مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه النوح بالباطل
بالأفحاش و الخنا الّذي ليس بطلانه الّا من جهة كون أصل الفعل قبيحا و يكون ذكره إشاعة للقبيح و لا مدخل في بطلانه لعدم المطابقة للواقع لما عرفت من كون أصل الفعل قبيحا و كون نسبته الى الميّت و ذكره به إشاعة للقبيح الذي هو مبغوض للشارع و ان كان واقعا في الخارج و لهذا فسره جماعة بالكذب كما اعترف هو (رحمه الله) به و لم يفسر الباطل أحد في الفتاوى بما فسّره به نعم قال في مفتاح الكرامة انه قد يراد بالباطل الهجر كما في الخبر و لا ينبغي لها ان تقول هجرا فإذا جاء الليل فلا تؤذي الملائكة بالنوح و الهجر بالضم الإفحاش و الخنا كما في الصّحاح انتهى و ظاهره انه يريد تفسير الخبر و كونه مصداقا لما قد يراد لا تفسير الفتاوى ثم انه على هذا التفسير لا يكون لما ذكره شاهدا للجمع بين طائفتي الأخبار مساس بالمقام و الشاهد على ذلك ما حكاه في الحدائق عن النهاية رواية مرسلا بقوله و سئل عن أجر النائحة فقال لا بأس إذا قالت صدقا و في الوسائل ما نصه محمّد بن على بن الحسين (عليه السلام) قال قال لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا انتهى و ما عن الفقه الرّضوي حيث قال و لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا فيتجه عليه (حينئذ) ان الاستشهاد بالخبر الذي استشهد به مع كونه في مقام بيان مستند أهل القول بحرمة النوح بالباطل و كونه في مقام الحكاية عنهم كما يعطيه قوله حمل في عبارته المذكورة على ما حكموا به من حرمة النوح بالكذب ممّا لا ارتباط له بمقصودهم و لا ينطبق على مذهبهم مضافا الى ان جملة مما استدل به على الجواز لا دلالة فيها على ما نحن بصدده لان نوح الفاطميات في كربلا انما هو على الحسين (عليه السلام) و المستشهدين معه و ذلك مما ثبت استحبابه بل قد وجبت الجنة لمن اقامه و فعل فاطمة (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و لا مجال للتعدي منه الى النوح على الرّعية و كذلك رواية يونس الناطقة بأمر الباقر (عليه السلام) ابنه (عليه السلام) بان يوقف أعيانا لنوادب يندبنه (عليه السلام) بمنى فلا يقاس عليه النوح على غير أهل العصمة (سلام اللّه عليهم) و من هنا قال العلامة المجلسي (رحمه الله) معلّقا على هذا الحديث في حواشي الكافي انه يدل على رجحان الندبة عليهم و اقامة مأتم لهم لما فيه من تشييد حبهم و بعض ظالميهم في القلوب و هما العمدة في الايمان و (الظاهر) اختصاصه بهم (عليهم السلام) لما ذكرنا انتهى و لكن يمكن دفعه بما روى مرسلا من انه سئل الصادق (عليه السلام) عن أجر النائحة فقال لا بأس به قد ينح على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فان تعليله بأنه قد ينح على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يدل على عدم الفرق بين النوح عليه (عليه السلام) و بين النوح على غيره في الحكم الا ان الإرسال يسقطه عن الاعتبار ثم ان أرباب هذا القول اختلفوا إلى أقوال أحدها إطلاق القول بجواز النوح بالحق من دون تقييد بالكراهة قال في النهاية و كسب النوائح بالأباطيل حرام و لا بأس بذلك على أهل الدين بالحق من الكلام انتهى و عبّر بهذه العبارة بعينها في السّرائر و قال في الناقع في عداد الأعمال المحرمة و النوح بالباطل ما بالحق فجائز انتهى لكن هذه العبارة تفارق العبارتين المتقدمتين في اعتبار التقييد بكون النوحة على أهل الدين و قال في القواعد و يحرم أجر النائحة بالباطل و يجوز بالحق انتهى و في الروضة و النوح بالباطل بان تصف الميت بما ليس فيه و يجوز بالحق إذا لم يسمعها الأجانب و قال في مجمع البرهان من المحرم الذي التكسب به حرام في نفسه النياحة بالباطل بان يذكر ما لا يجوز ذكره مثل الكذب و يمكن ان يكون استماع صوتها للأجانب داخلا فيه على تقدير تحريمه و وجه التقييد به انها بدونه جائزة و الكسب حلال و قد مر ما يدلّ عليه في مبحث الغناء و اما تحريمه مع القيد فهو ظاهر لان المشتمل على الباطل باطل و إذا كان حراما لا يستحق به الأجرة و هو ظاهر عقلا و نقلا و في الجواهر انه لا يبعد الحكم بكراهته يعني أخذ الأجرة (مطلقا) للخبر بل لا يبعد شدّتها مع الشرط لخبر حنان (أيضا) بل لا يبعد كراهة أصل النوح خصوصا في الليل انتهى ثانيها ان جواز النوح بالحق انما هو على سبيل الكراهة قال في المراسم بعد تقسيم المكاسب
إلى أقسام خمسة و امّا المكروه فهو الكسب بالنوحة على أهل الدّين الى ان أخذ في ذكر افراد القسم المحرم و ذكر في عدادها كسب النوائح بالباطل و قال في المنتهى يحرم أجر النائحة بالأباطيل لأنه كذب و حرام و أخذ الأجرة على الحرام حرام و يؤيده ما رواه الشيخ عن سماعة قال سئلته عن كسب المغنية و النائحة فكرهه إذا ثبت هذا فلا بأس بكسب النائحة إذا لم تعتمد قول الباطل و ان كان مكروها و تشتد الكراهة مع الاشتراط ثم ساق جملة من الاخبار الدالة على الجواز هذا و قد تقدم في كلام صاحب مفتاح الكرامة (رحمه الله) ما ينفع التفطن له في هذا المقام ثالثها ان النّوح بالحق إذا اقترن باشتراط الأجرة كان مكروها و الا فلا قال في التذكرة لا بأس بأجر النائحة بالحق و يكره مع الشرط و يحرم بالباطل انتهى و التحقيق في المقام هو ان ما ينبغي البحث عنه فيما بين العلماء انما هو الموضوع الكلى و الا فالعوارض الخارجية غير متناهية فالنوح عنوان كلي في حد ذاته و قد يجتمع مع الكذب و قد يجتمع مع الإفحاش و قد يجتمع مع الات اللهو و قد يجتمع مع إسماع الأجانب صوتها و لهذا احترز عنهما المحقق الثاني (رحمه الله) في قوله و يحرم أجر النائحة بالباطل و يجوز مع الحق بشرط عدم الات اللهو و عدم سماع الأجانب صوتها انتهى و المفروض ان كلّ عنوان من العناوين التي يجتمع معها النوح مما قرر له محلّ خاص وقع البحث منهم عنه فيه على ما هو الشأن في سائر موضوعات هذه الصناعة و موضوعات كل صناعة فإنها لو لم يفرد كل منهما بالبحث عنه في محل خاص من الجهة الخاصة لم ينتظم أمر الصناعات من جهة تداخل العنوانات فلهذا وجب افراد كل عنوان بالبحث عنه من حيث هو ذلك العنوان و (حينئذ) نقول فيما نحن فيه ان الذي ينبغي البحث عنه في المقام انما هو عنوان النوح و أخذ الأجرة عليه مع قطع النظر عن اجتماعه مع الكذب أو الغنا أو الإفحاش أو غير ذلك و ما تراه في بعض الاخبار من التعرض لبعض القيود مثل ان لا تتكلم بالهجر فإنما هو لأمر اقتضاه المقام كعدم تنبه السامع لكون الهجر مثلا محرما و نحو ذلك و لا يقاس حال الصناعات المبنية على المواضعة و التدقيق و رد كل أمر الى ما يليق به على حال الأجوبة الصادرة في الوقائع الشخصية التي يختلف فيها حال المخاطب اللازم مراعاته من جهة الغباوة و الفطانة و الاطلاع على القواعد الشرعية و عدمه و على هذا نقول ان الحق هو كون النوح من حيث هو مع قطع النظر عن العوارض اللاحقة و المقارنات الاتفاقية مباحا و كذا أخذ الأجرة عليه و يدلّ على الأول جملة من الاخبار الّتي تقدم الإشارة إلى بعضها في كلام صاحب الجواهر منها ما عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال مات الوليد بن المغيرة فقالت أم سلمة للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ان آل المغيرة قد أقاموا مناحة فأذهب إليهم فأذن لها فلبست ثيابها و تهيأت و كان من حسنها كأنها جان و كانت إذا قامت فأرخت شعرها جلل جسدها و عقدت بطرفيه خلخالها فندبت ابن عمها بين يدي رسول اللّه فقالت
أنعى الوليد ابن الوليد * * * أبو الوليد فتى العشيرة
حامى الحقيقة ماجد * * * يسمو الى طلب الوتيرة
قد كان غيثا في السنين * * * و جعفرا غدقا و ميرة
فما عاب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) ذلك