غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٨٨ - المسألة التاسعة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه سب المؤمن
في ان من مرّ به و تكلم بكلام هل سلم عليه أو شتمه كان مقتضى قاعدة الصّحة ان كلامه ذلك ليس حراما فلا يصحّ له ان يحكم بأنه فاسق و اما انه يلزمه جواب السّلام فلا و كذا فيما نحن فيه لا يقتضي قاعدة حمل فعل المسلم على الصّحيح الا انه غير فاسق و امّا انه يترتب عليه انه هبة و انه غير ضامن فلا و قد نص (رضي الله عنه) على هذا في كتبه و ابحاثه و كون طريقة غيره خلاف ذلك لا يقتضي بطلان ما ذكره فإنه (رضي الله عنه) يتكلم على ما هو مقتضى التحقيق عنده و ان كان مدرك هذه القاعدة إجماعهم عليها في أبواب المعاملات و المنازعات كما هو الظاهر (فحينئذ) نقول ان القدر المتيقن من معقد الإجماع انما هو ما لو كان هناك قدر مشترك و كون غيره داخلا في معقد الإجماع غير معلوم لعدم إطلاق لفظي يعول عليه فيختص الحكم بالصّحة بما ذكره (رضي الله عنه) فتدبر
قوله وجهان اقويهما الأول لأن عموم خبر على اليد يقضى بالضمان الا مع تسليط المالك مجانا و الأصل عدم تحققه
توضيح ذلك ان العمومات و ان كانت ليست لها قوة رفع الشبهة عن الموضوع الخارجي إلا انا وجدنا الفقهاء (رضي الله عنه) في جملة من الفروع التي دار الأمر فيها بين التسليط مجانا و بين التسليط لا على وجه المجانية ينبون على عدم الأول مثل ما ذكره المحقق (رحمه الله) في كتاب العارية من قوله إذا قال الراكب اعترنيها و قال المالك اجرتكها فالقول قول الراكب لان المالك مدع للأجرة و قيل القول قول المالك في عدم العارية فإذا حلف سقطت دعوى الراكب و يثبت عليه اجرة المثل لا المسمّى و هو أشبه انتهى و مثله كلام بعضهم فيما لو وقع الاختلاف في الوديعة و القرض فيقدم قول المالك في دعواه القرض فيثبت الضمان على مدعى الوديعة هذا و السّر في ذلك انه قد ثبت من الشرع انه لا يحل مال امرء الا بطيب نفسه فحكم بكون كل مال تحت سلطنة مالك لا يخرج عن تحت سلطنته ثم استثنى ما هو رافع لتلك السلطنة و هو طيب نفسه و هو عبارة أخرى عن التسليط المجاني في مقابل عموم على اليد ما أخذت فإذا وقع الشك في تحقق الرافع في الخارج جاء استصحاب عدمه و لا يعارضه (حينئذ) أصالة عدم التسليط الغير المجاني فالتمسك بعموم قاعدة اليد في رفع الشبهة عن الموضوع انما هو بضميمة الأصل الموضوعي الذي به يحرز الموضوع فلا يبقى في جريان العموم إشكال
[المسألة التاسعة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه سب المؤمن]
قوله و في رواية ابن الحجاج عن ابى الحسن (عليه السلام) في الرجلين يتسابان قال (عليه السلام) البادي منهما أظلم و وزره على صاحبه ما لم يعتذر الى المظلوم و في مرجع الضمائر اغتشاش
(انتهى) الظاهر ان الضّمير المضاف إليه في وزره راجع الى السّب المفهوم من قوله يتسابان يعنى ان وزر السبّ ثابت على فاعله لا يرتفع الا بان يعتذر الى المظلوم الذي هو المسبوب و لازم ذلك ان لا يقع بين السّبين تقاص فكل من السّابين عليه الوزر ما لم يعتذر من الأخر لأن كلا منهما ظلم الأخر فمن اعتذر منهما من صاحب الحق الذي هو المظلوم ارتفع عنه الوزر و هذا مثل ما لو اغتاب كل من الرجلين الأخر فان كلّا منهما ظالم للآخر و لا يكون فعل أحدهما جزاء لفعل الأخر و مقاصة عنه فمن اعتذر منهما إلى الأخر فعفي عن حقه سقط وزر الغيبة عن العفو عنه و على هذا يرتفع الاغتشاش الذي أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) و يندفع ما ذكره من احتمال خطاء الراوي و ممّا ذكرناه في معنى الحديث يعلم انه مخصّص لقوله تعالى وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولٰئِكَ مٰا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ و قوله تعالى وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا فَمَنْ عَفٰا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّٰهِ إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الظّٰالِمِينَ و ان كان المحقق الأردبيلي (رحمه الله) قد ذكر في آيات الأحكام انهما يدلان على جواز القصاص في النفس و الطرف و الجروح بل جواز التعويض مطلقا حتى ضرب المضروب و شتم المشتوم بمثل فعلهما فيخرج ما لا يجوز التعويض و القصاص فيه مثل كسر العظام و الجرح و الضّرب في محلّ الخوف و القذف و نحو ذلك و بقي الباقي انتهى
قوله و يشكل الثاني
يعني استثناء سب العبد
قوله مما ورد من مثل قولهم (عليه السلام) أنت و مالك لأبيك
في الوسائل في باب حكم ما لو أعتق الوالد مملوك الولد مسندا عن زيد بن على عن آبائه عن على (عليه السلام) قال اتى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) رجل فقال يا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) ان ابى عمد الى مملوك لي فأعتقه كهيئة المضرة لي فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أنت و مالك من هبة اللّه لأبيك أنت سهم من كنانته يهب لمن يشاء اناثا و يهب لمن يشاء الذكور و يجعل من يشاء عقيما جازت عتاقة أبيك يتناول والدك من مالك و بدنك و ليس لك ان تتناول من ماله و لا بدنه شيئا إلا باذنه و في كتاب التجارة في باب حكم الأخذ من مال الولد و الأب مسندا عن محمّد بن مسلم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن الرجل يحتاج الى مال ابنه قال يأكل منه ما شاء من غير سرف و قال في كتاب على (عليه السلام) ان الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلا باذنه و الوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء و له ان يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها و ذكر ان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال لرجل أنت و مالك لأبيك و عن محمّد بن سنان انّ الرضا (عليه السلام) كتب اليه فيما كتب من جواب مسائله و علة تحليل مال الولد لوالده بغير اذنه و ليس ذلك للولد لان الولد موهب للوالد في قوله عزّ و جلّ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ الذُّكُورَ مع انه المأخوذ بمؤنته صغيرا و كبيرا و المنسوب اليه و المدعو له لقوله عزّ و جلّ ادْعُوهُمْ لِآبٰائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّٰهِ و لقول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنت و مالك لأبيك و ليس للوالدة مثل ذلك لا تأخذ من ماله شيئا إلا بإذنه أو بإذن الأب و لان الوالد مأخوذ بنفقة الولد و لا تؤخذ المرأة بنفقة ولدها و عن أبي حمزة الثمالي عن ابى جعفر (عليه السلام) ان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال لرجل أنت و مالك لأبيك ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) ما أحب ان يأخذ من مال ابنه الا ما احتاج اليه ممّا لا بد منه ان اللّٰهُ لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ و عن الحسين بن ابى العلاء قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما يحل للرجل من مال ولده قال قوته بغير سرف إذا اضطر اليه قال فقلت له فقول رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) للرجل الذي أتاه فقدم أباه فقال له أنت و مالك لأبيك فقال انما جاء بأبيه إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال يا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) هذا ابى و قد ظلمني ميراثي عن أمي فأخبره الأب انه قد أنفقه عليه و على نفسه و قال أنت و مالك لأبيك و لم يكن عند الرجل شيء أو كان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يجلس الأب للابن و لا يخفى ان مجرد قوله (عليه السلام) أنت و مالك لأبيك لا يدل على جواز سب الوالد لولده لان اللام هيهنا ليس للملك قطعا حتى ينضم اليه قوله (عليه السلام) الناس مسلطون على أموالهم فيحصل منهما جوار مثل ذلك بل قد شبه الاختصاص الحاصل بين الوالد و ولده من جهة كونه محبوبا و مطلوبا له بحيث يعدّ إيجاد اللّه (تعالى) إياه من انعامه (تعالى) به على والده بالاختصاص الملكي فاستعمل فيه ما يستعمل فيه و ليس المحصل الا ان الولد و ماله من نعم اللّه على والده ينتفع بهما و امّا انه يجوز سبه الذي هو نوع من الإيذاء فلا يتأتى من ذلك ذلالة عليه و الا لجاز ضربه و سائر الأمور التي توجب إيذائه بل لا يخفى على من تأمل في الاخبار ان الانتفاع بماله انّما هو بقدر الضرورة فإن التأمل فيها يفضى الى ان المراد بها انه لما كان الوالد طالبا لوجود الولد و قد أنعم اللّه (تعالى) به عليه و وهبه إياه فمقتضى كونه نعمة ان ينتفع بماله بما لا يزيد عن ضرورته فان كونه نعمة انما سوغ هذا المقدار لا ما زاد عليه و قول ابى جعفر (عليه السلام) في رواية أبي حمزة الثمالي ما أحب ان يأخذ من مال ابنه الّا ما احتاج اليه (انتهى) و ان كان ظاهرا في الكراهة الا ان قوله (عليه السلام) بعد ذلك
ان اللّه لا يحب الفساد أظهر في الحرمة فيحمل الظاهر على ما هو المراد بالأظهر و اما تجويز وقوعه على جاريته في رواية محمّد بن مسلم لو فرض العمل به فإنما هو من أقسام الضرورة لاضطرار الرجل الى النكاح و امّا تجويز عتاقه في الرواية الأولى فلعله من جهة كونه من قبيل فك الرقبة و خلاصها عن قيد الرق الذي هو من قبيل الخيرات بل زيد على هذه الجملة و نقول انه لو فرض ان اللام في الحديث للملك الا ان قوله (عليه السلام) الناس مسلّطون على أموالهم ليس ناظرا الا الى التصرفات المتعارفة و السلطنة المتداولة بين