غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٨٧ - فروع في اختلاف الدافع و القابض
و ان لم يحكم له به و التعليل عليل بل لا يخلو عن مصادرة و لعله لذا قيل كما في شرح القواعد بأنه لو توقف (انتهى) فذكر العبارتين اللتين حكيناهما عنه ثم قال و لعله لعدم تصور التوقف المزبور عليها أو لعموم دليلها الّذي يقصر التعليل و نحوه عن تخصيصه الّا مع الاضطرار الى المال الذي لا يندفع الا بها مع فرض تصوره فإن الظاهر خروجه عن محلّ البحث هذا ثم ذكر إيراد صاحب الجواهر (رحمه الله) بعبارته كما حكيناها بتمامه ثم قال و لا يخلو من نظر كما يظهر من التدبر فيما مر فلاحظ و تدبر انتهى
قوله و في فساد المعاملة المحابى فيها وجه قوى
لا يخفى قوة ما ذكره (رحمه الله) حتى فيما لو قصد أصل المعاملة و حابى فيها لجلب قلب القاضي إلى الحكم (فالظاهر) فساد العقد المشتمل على ذلك لظهور النصوص في بقاء المال على ملك الراشي و للنهى عن أصل هذه المعاملة بناء على انها من إفراط الرشوة أو من الملحقات بها إذ لا وجود لها مغايرا لوجودها حتى يصير أحدهما مباحا و الأخر حراما فليسا من قبيل المجتمعين في المورد فالمعاملة منهي عنها بعينها فتفسد و ان شئت قلت ان النهى متوجه الى ذات هذه المعاملة و الى إيجادها في الخارج باعتبار كون الحكم له كالجزء من العوض و قال بعض المعاصرين انه قد يقال بالصّحة للعمومات مع منع كونها من الإقرار يعني منع كون المحاباة من افراد الرشوة و لا يلزم من تحريم قصد ذلك الفساد و لا نهى عن خصوص العقد كي يفهم منه ذلك انتهى لا بأس بما ذكره على هذا التقدير
قوله و كونها من السّحت انّما يدلّ على حرمة الأخذ لا على الضمان
إشارة إلى رفع ما يتوهم من انّه ليس معنى السّحت هو المال الذي يحرم أخذه مع انتقاله الى ملك من يحرم عليه أخذه و لا ما هو أعمّ من ذلك بل معناه المال المحرم الذي سبب حرمته على من يريد التصرف فيه عدم انتقاله من مالكه اليه و قد أشار الى هذا صاحب الجواهر (رحمه الله) حيث قال لا خلاف و لا إشكال في بقاء الرشوة على ملك المالك كما هو مقتضى قوله انها سحت و غيره من النصوص الدالة على ذلك الى أخر ما قال فإذا أخذ ما لم ينتقل اليه من مال غيره كان ضامنا فأشار (المصنف) (رحمه الله) الى دفع ذلك بان السّحت عبارة عن المال المحرم أخذه و حرمة الأخذ لا تدل على الضّمان هذا و ذهب بعض المعاصرين الى قول أخر و هو إطلاق الضّمان قال يجب رد الرشوة و نحوها الى صاحبها مع بقائها و امّا مع تلفها (فالظاهر) وجوب رد عوضها لأنها مضمونة كسائر العقود الفاسدة بل لا ينبغي الإشكال فيه مع كون دفعها بدون طيب النفس كما قد يقع لقضاة الجور انتهى و لا يخفى ان تعليله في مرتبة الدعوى فلا يتم به المطلوب و ربما احتمل عدم الضّمان مع علم الدّافع بالحرمة باعتبار تسليطه على الإتلاف مجانا و لا يخفى ما فيه لان التسليط على الإتلاف مجانا انما يتم في الصّورة الثانية دون الاولى
[فروع في اختلاف الدافع و القابض]
قوله و لأصالة الضمان في اليد إذا كانت الدعوى بعد التلف
انّما قيد بهذا القيد لان معنى الضمان انما يتحقق بعد التلف إذ ليس إلا عبارة عن كون الشخص يلزم تدارك الشيء بدفع بدله من مثل أو قيمة و هذا المعنى قد يتحقق بالاختيار بواسطة الالتزام بالقول و هو الضمان الذي هو في عرض الكفالة و قد يكون بالفعل كالاستيلاء على مال الغير بإثبات اليد و قد يتحقق بغير اختيار كالإتلاف بغير عمد و من المعلوم انه لا بتحقق للتدارك على الوجه المذكور معنى الا بعد التلف و لما ذكرناه تريهم يعبرون عنه في محاوراتهم و مطاوي كلماتهم يتحمل الغرامة و لا يكاد يعقل لضمان نفس العين الموجودة بالمعنى المذكور وجه لان كون الشخص يلزمه رد العين الموجودة إلى مالكها لا يسمّى ضمانا و لا غرامة ألا ترى ان الوديعة يلزم ردها الى مالكها و ليس فيها ضمان و كذلك العارية إلا المضمونة منها فزيادة قيد المضمونة فيها ليست الا باعتبار حال تلفها و انها لو تلفت لزمه تداركها بأداء بدلها من مثل أو قيمة و يشهد بما ذكرنا من معنى الضمان انهم يفسرون القسم الأول في كتاب الضمان بالتعهد بالمال و معناه الالتزام بعهدته و قد فسر العهدة في شرح قاموس بأنه نوع من الكفالة يعبر عنه بقولهم على و على رقبتي و هي الكفالة العارية ثمّ قال مثلا تقول عهدته على فلان اى ما أدرك فيه من درك فاصلاحه عليه و قال في المجمع الدرك بالتحريك و يسكن (أيضا) اللحاق و التبعة الى ان قال و منه قوله ما لحقك من درك فعلى خلاصه اى تبعته انتهى و في المصباح أدركته إذا طلبته فلحقته الى ان قال و أدرك الثمن المشتري أي لزمه و هو لحوق معنوي و الدّرك بفتحتين و سكون الراء لغة من أدركت الشيء و منه ضمان الدرك الشرعي انتهى و قد صرّح في شرح القاموس بكون الدرك و اللحوق قد أخذ فيهما طلب الشخص و الوصول اليه من خلفه و ان تسمية التبعة بالدرك انما هي باعتبار انها تتبع الشيء و تلحقه أقول يظهر ممّا ذكر ان ضمان الدّرك الشرعي ينطبق على ذلك باعتبار ان الرجل يضمن ما يلحق المبيع و يتبعه من خروجه مستحقا للغير ثم انه قد علم ممّا فصّلناه لك ان الضمان إذا أضيف إلى العين يراد منه التزام عهدتها على تقدير التلف و من ذلك قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى تؤدى يعنى انه على من اثبت يده على مال الغير ضمان ما اثبت يده عليه ان تلف الى ان يرده الى مالكه فإذا رده اليه ارتفع ذلك الضمان الثابت معلّقا على التلف و لا يتوهم انه لا يبقى على هذا فرق بين اليد و الإتلاف و قد عدّوا كل واحد منهما سببا مستقلا في الضمان لانه لم يؤخذ في سببية اليد للضمان كون صاحب اليد سببا في الإتلاف أو مباشرا له فلو تلف ما اثبت عليه اليد بآفة من اللّه لزمه الضمان (أيضا)
قوله و يحتمل العدم إذ لا عقد مشترك هنا اختلفا في صحته و فساده فالدافع منكر لأصل العقد الذي يدعيه القابض لا لصحته فيحلف على عدم وقوعه و ليس هذا من مورد التداعي
لأن مورده عبارة عمّا كان كلّ منهما مثبتا لأمر إثباتي بعد تسالمهما على وجود متعلق صالح لكلّ منهما أورد عليه بعض مشايخنا بأن قاعدة الصّحة الثابتة في فعل المسلم بالأخبار الدالة عليها لا يختص موردها بما إذا كان هناك قدر مشترك لإطلاق ألفاظها الشامل له و لغيره و من طريقة الفقهاء انهم يثبتون بقاعدة الصّحة لوازمها و منها رفع الضمان هنا ثم انى وجدت مثل ذلك في كلام بعض المعاصرين بعد حكمه بأن القاضي لو جهل قصد الدافع فالوجه حمله على الصّحة فإنه قال و لو اختلفا في ذلك روعي جانب الجواز و الصّحة لأنهما الأصل في فعل المسلم و ان لم يكن عقد مشترك بينهما و انما كان فعلا (كذلك) و قد يحتمل العدم لان الدافع اعرف بنيته و لأصالة الضمان في اليد كما قيل انتهى و عندي ان هذا الإيراد غير متجه عليه (رحمه الله) لانه لا بد من ملاحظة دليل قاعدة الحكم بالصّحة فيما لو اختلفا في وقوع المعاملة صحيحة أو فاسدة (فحينئذ) نقول لو كان مدرك هذه القاعدة هي الأخبار الناطقة بحمل فعل المسلم على الصّحيح اتجه عليه أمران أحدهما تلك الاخبار انّما دلت على حمل فعل خصوص المسلم على الصّحيح كما في قوله (عليه السلام) ضع أمر أخيك على أحسنه و غير ذلك و لازم ذلك انه لو كان المتعاملان كافرين أو كان من يدعى الصّحة منهما كافرا لم يجر فيه قاعدة تقديم قول مدعى الصّحة مع ان الفقهاء (رضي الله عنه) لا يفرقون بين المسلم و غيره في ذلك و ثانيهما ان قاعدة الصحة لا يأتي منها إحراز العنوان فلو شك