غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٨٥ - المسألة الثامنة مما يحرم التكسب به لكونه محرما في نفسه الرشوة
لكن قلنا بان ثم للترتيب المعنوي لم يكن وجه للالتزام بحرمة الأخذ و لا بد من حمل رواية (حينئذ) على المبالغة في رجحان التجنب عن قبول الهدايا لئلا يقع في الرشوة نعم هناك توجيه أخر يحكم فيه بالحرمة و هو ان لا يعين المحكوم له للقاضي شيئا بل يعده الإحسان اليه على ما هو المتعارف في ما بين العجم حيث يقول بعضهم لبعض اقض لي هذه الحاجة و انا أخدمك أو تجدني مقيما في خدمتك و يريدون بالأول الإحسان اليه و بالثاني دوامه ثم انه بعد قضاء القاضي له يهدى اليه هدية و ان قلنا بان المراد بالحاجة مطلق الحاجات التي لم يتعارف أخذ المال عليها فان قلنا بان لفظ ثمّ للترتيب المعنوي لم يكن وجه للالتزام بالحرمة و لا بد من الحمل على المبالغة و ان قلنا بأنها للترتيب الذكرى كانت حرمتها في غير القضاء الّذي هو نوع منها مبنية على ان الرشوة تختص بالقضاء أم تجري في غيرها فعلى الثاني تكون في غير القضاء (أيضا) محرمة و على الأول لا بد من ان يكون الحكم بالحرمة في غير القضاء مبنيّا على المبالغة في التّجنب
قوله و هل يحرم الرشوة في غير الحكم بناء على صدقها كما يظهر مما تقدم من المصباح و النهاية كان يبذل له مالا على ان يصلح امره عند الأمير
ينبغي تحقيق القول في موضوع الرشوة من حيث الاختصاص بالحكم أو شمولها له و لغيره فنقول لا ريب في عدم اختصاصها بخصوص الحكم الشرعي لأنها من الألفاظ اللغوية و العرفية السّابقة للشرع ثم هل تختص بمطلق الحكم أو تشمل غيره ايضا مثل ما يبذل على أداء الشهادة مثلا و مثل ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من المثال الوجه هو الثاني لما عرفت من كلمات أهل اللغة الشاملة للقسمين مضافا الى ان استعمال لفظها قد وقع في الخصوص و في بعض ما هو من افراد العام دون الخاص المذكور فدار الأمر بين ان يكون موضوعا للمطلق أو يكون موضوعا للمعنى الخاص و قد تقرر في محله انه إذا دار الأمر بين كون اللفظ موضوعا للمطلق أو المقيد كان اللازم هو البناء على الأول و ممّا استعمل في شيء من افراد العام ما وقع في الصّحيح عن الرّجل يرشو الرّجل على ان يتحول من منزله فيسكنه قال لا بأس و اختار بعض مشايخنا اختصاصها بالقضاء من الحاكم الشرعي و نفى البعد عن عمومها بالنسبة إلى الحاكم لا على الوجه الشرعي كقضاة السوء مثلا مع اعترافه بأن الإعطاء على وجه الشهادة و مقدمات القضاء كسماع الدعوى و شهادة الشاهد و نحوهما داخلة في الإعطاء على القضاء و استند في التخصيص إلى أمرين أحدهما ما ورد في كثير من الاخبار من تقييد الرشا بالحكم كما عرفت و ثانيهما تعرض الفقهاء العنوان الرشوة في القضاء و فيهما ما لا يخفى امّا الأول فلان مثل قوله (عليه السلام) و الرّشا في الحكم يذلّ على وضع الرشا لما هو أعم من مورد الحكم و الا كان التقييد لغوا و قد عرفت اشتمال أكثر الأخبار المذكورة على التقييد المذكور كاشتمال كلامي العلامة و المحقق الثاني المذكورين سابقا عليه فهو على خلاف مطلوبه أدل نعم التقييد يدل على اختصاص الحرمة بمحل التقييد الا ان الخبر الدال على حرمتها (مطلقا) (أيضا) موجود و لا منافاة بينه و بين الاخبار المقيدة و امّا الثاني فلان كون القضاء فردا من افراد موارده يكفى نكتة لتعرضهم و لا يلزم الانحصار مع ان جماعة تعرضوا لها في غير القضاء (أيضا) كالمحقق في (الشرائع) و العلامة في (القواعد) و غيرهما و ذكر بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى ان ظاهر النص و الفتوى انها على الحاكم الشرعي في مقام الخصومة الحاضرة أو المتوقعة بحيث يكون البذل له ليحكم له حيث يحتاج الى ذلك ثمّ قال و ربما احتمل عمومها لما يبذل لغير الحكم الشرعي بل و لغير الحكم أيضا الا انه في غير محلّه انتهى و أنت خبير بأن غاية ما يتأتى من النص و الفتوى على فرض التسليم انّما هو اختصاص حكم الحرمة بما ذكره و امّا اختصاص موضوع الرشوة بخصوص الحاكم الشرعي فلا يتأتى منهما الدلالة عليه ثم ان ما أشار إليه من تعميم موضوع الرشوة بالنسبة إلى الخصومة المتوقعة قد وافق فيه صاحب المستند (رحمه الله) حيث قال و الحاصل ان كل مال مبذول الشخص للتوصل به الى فعل صادر منه و لو مجرد الكف عن شره لسانا أو يدا أو نحوهما فهو رشوة و لا فرق في الفعل الذي هو غاية البذل ان يكون فعلا حاضرا أو متوقعا كان يبذل للقاضي لأجل انه لو حصل له خصم يحكم للباذل و ان لم يكن له بالفعل خصم حاضر و لا خصومة حاضرة و يظهر من شرح القواعد التردد فيه حيث قال و إرسال الهدايا إلى القضاة و الحكام توطئة لاحتمال وقوع الترافع بين المهدى و غيره ان لم يدخل تحت الاسم داخل تحت الحكم و الدفع لأداء الشهادة على باطل أو على الحالين من هذا القبيل و كذا الدفع لبذل النصرة و الإعانة ظالما و مظلوما انتهى و عندي ان بذل المال لأجل دفع الخصومة المتوقعة خارج عن موضوع الرشوة الا ان يعلم بأنها ستقع فان ذلك مثل الخصومة المحققة في اندراج البذل عليه تحت موضوع الرشوة و يدلّ على الأمرين كلمات أهل اللغة فإن عبارة النهاية من انها الوصلة إلى الحاجة تعطى تحقق الحاجة دون احتمالها و مثله سياق كلام المصباح حيث قال ما يعطيه الحاكم و غيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد فان دلالته على إعطائه لأجل انه لو اتفق له خصومة حكم له في غاية البعد و تفسير القاموس لها بالجعل أبعد شمولا للخصومة المحتملة ثم انه بعد الخروج عن الموضوع لا بد من الدليل على الحرمة فنقول الدليل انه بذل مال في طلب فعل محرم و كلّ مال مبذول في مقابل المحرم حرام و أكله أكل له بالباطل لكن هذا الوجه انما يتم فيما لو كان بذل
المال لأجل الحكم بالباطل دون ما لو كان لأجل الحكم بالحق
قوله نعم يمكن ان يستدلّ على حرمته بفحوى إطلاق ما تقدم في هدية الولاة و العمال
أشار به الى رواية الأصبغ بن نباتة التي ذكرها في صدر المسئلة و صحيحة عمار المتضمنة لقوله (عليه السلام) و ما أصيب من اعمال الولاة الظلمة
قوله كما يدلّ عليه ما ورد في ان الرجل يبذل الرشوة ليتحرك من منزله ليسكنه قال لا بأس
هذه الرّواية رواها في الوافي في باب إصلاح المال و تقدير المعيشة عن (التهذيب) عن الحسين عن حماد بن عيسى عن حريز عن محمّد قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرّجل يرشو الرشوة على ان يحوله عن منزله فيسكنه قال لا بأس ثمّ قال في البيان الذي عقبها به يعنى يرشو الغاصب لمنزله أو أريد بالمنزل المنزل الذي جاز له سكناه سواء جاز للمرتشى أم لا انتهى
قوله رواية الصيرفي قال سمعت أبا الحسن (عليه السلام) و سئله حفص الأعور فقال ان عمال السّلطان يشترون منا القرب و الإداوة إلخ
هذه الرّواية ذكرها في الوافي في الباب المذكور عن (التهذيب) عن ابن سماعة عن إسماعيل ابن ابى سمال عن محمّد بن أبي حمزة عن حكم ابن حكيم الصّيرفي قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و سئله حفص الأعور فقال ان عمال السّلطان يشترون منا القرب و الأداوى (انتهى) فما ذكره مخالف لما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من وجهين أحدهما ان الامام المروي عنه هو أبو عبد اللّه (عليه السلام) على خلاف ما في كلام (المصنف) (رحمه الله) من انه أبو الحسن (عليه السلام) و ثانيهما انه لم يرد لفظ الإداوة مفردا و لهذا قال في البيان الذي عقب به الرواية ما نصه القرب جميع القربة و هي ما يستقى فيه الماء و الأداوى جمع الإداوة و هي المطهرة انتهى
قوله و ممّا يعد من الرشوة أو يلحق بها المعاملة المشتملة على المحاباة كبيعه من القاضي ما يساوى