غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٢ - القسم الثالث ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأنا
الجواز فيما يكن و التحريم في غيره مع كون الفئتين من أهل الباطل
لفظة مع و مدخولها قيد فيما قبله متمم له و حاصله ان التفصيل بين ما يكن و غيره انما هو مع كون الفئتين من أهل الباطل يعنى انه انما هو في هذه الصّورة
قوله ثم ان مقتضى الاقتصار على مورد النص عدم التعدي الى غير أعداء الدين كقطاع الطريق الا ان المستفاد من رواية تحف العقول اناطة الحكم بتقوى الباطل و وهن الحق فلعله يشمل ذلك و فيه تأمل
لعل وجه التّأمل هو كون المراد بباب يوهن به الحق في الخبر هو ما كان يوهن به الحق بوصفه العنواني بمعنى انه يوهن الدين و الشريعة و قطع الطريق لا يوهن الحق من حيث هو حق لان ذلك إتلاف لمال المسلم و لا يزاحم شيئا من أمور دينه و قد حكى عن بعضهم التمسك بالنهي عن التعاون على الإثم و عن بيعه في فتنة و عن اعانة الظالمين و برواية محمّد بن قيس و لا يخفى عليك انه مع صدق الإعانة لا ريب في الحرمة لذلك العنوان لكن ذلك خارج عن جهة البحث في هذا المقام و النهى عن بيعه في فتنة لا يظهر شموله للبيع على قطاع الطريق بل (الظاهر) من الفتنة هو حرب أعداء الدين و لا أقل من الشك في شموله فلا يصحّ الاستدلال به على المطلوب و رواية محمّد بن قيس أجنبي عن المقام
قوله ثم النهي في هذه الاخبار لا يدل على الفساد فلا مستند له سوى ظاهر خبر تحف العقول الوارد في بيان المكاسب الصّحيحة و الفاسدة
قال في (المسالك) و على تقدير النهى عن البيع لو باع هل يصحّ و يملك الثمن أم يبطل قولان أظهرهما الثاني لرجوع النهي إلى نفس المعوض انتهى و حكى القول بالثاني عن الشهيد (رحمه الله) و المحقق الثاني (رحمه الله) و هو الذي حكم به المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد و استند في ذلك الى ان (الظاهر) ان الغرض من النهى هنا عدم التملك و عدم صلاحية المبيع لكونه مبيعا لا مجرد الإثم فكان المبيع لا يصلح مبيعا لهم كما في بيع الغرر انتهى فمقتضى ما في (المسالك) كون الفساد لرجوع النهي إلى شيء من أركان العقد و هو المبيع و قيل ان سبب الفساد هنا هو رجوع النهي إلى نفس المعاملة و قيل ان سببه هنا هو رجوع النهي الى أحد المتعاقدين الذين هو من أركان العقد قال المحقق الثاني (رحمه الله) في شرح قول العلامة (رحمه الله) و اجارة السفن و المساكن (انتهى) و متى باع في شيء من هذه المواضع التي يحرم فيها البيع أو فعل شيئا من أنواع الاكتساب بهذه الأشياء المحرمة حيث يحرم كان باطلا نظرا الى ان النهى راجع اما الى أحد العوضين أو الى أحد المتعاقدين و قيل ان النهى للإرشاد و قيل ان سببه هو فهم المانعية من النهى هنا عرفا بمعنى ان المفهوم منه عرفا هو فساد البيع بالكيفية المذكورة و ان شئت قلت ان المفهوم منه هو ان بيع السّلاح على أعداء الدين مانع من صحته و كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله) محتمل لما ذكره في (المسالك) كما هو محتمل لهذا الوجه الأخير و حكى عن التنقيح اختيار القول الأول و المستند في ذلك عمومات البيع و كون النهى راجعا الى وصف خارج هو تقوى أهل الكفر كالنهي عن البيع في وقت النداء الراجع الى تفويت الجمعة و هذا هو الأقوى كما لا يخفى على من تدبر لتوجه المنع الى ما ذكر كله و الى هذا أشار (المصنف) (رحمه الله) بأن النهي في هذه الاخبار يعني أخبار المنع عن بيع السّلاح لا يدل على الفساد و لكنه استند في الفساد في ذيل الكلام الى خبر تحف العقول بدعوى انه مسوق لبيان المكاسب الصّحيحة و الفاسدة و أورد عليه بعض من تأخر بالمنع من وروده لبيان المكاسب الصّحيحة و الفاسدة و انّما سلّم وروده في بيان المحرم و الجائز و لا ملازمة بين الحرمة و الفساد كما لا ملازمة بين الجواز و الصّحة هذا و ينبغي تتميم القول في المسئلة بالإشارة إلى فوائد الاولى ان فقيه عصره (رحمه الله) في شرح القواعد بعد ان جعل محلّ النزاع في المسئلة أعم من المسلم و الكافر فصل في صحة المعاملة بين ما لو وقعت تلك المعاملة بين المستحلين لها و بين غيره فحكم في الأوّل بالصحة مع الحرمة دون غيره قال (رحمه الله) و بيع أولياء الدين السّلاح لأعداء الدين من إسلام أو مذهب أصل أو فرع قصد المساعدة أم لا مع قيام الحرب بين الظالمين و المظلومين و المحقين و المبطلين و ان كانوا مسلمين و عدم العلم بأنه لا ينتفع به في ذلك الحرب و الأقوى هنا حرمة المعاملة حيث يكون أحد الطرفين مسلما و امّا معاملة الكفار المستحلين بينهم فلا يبعد صحتها و ان حرمت انتهى و الوجه فيه ما دل على إمضاء ما يأتون به بمقتضى أديانهم و مذاهبهم في حقهم و يظهر اثر ذلك فيما لو باع السّلاح لأعداء الدين بمحضر أحد من المسلمين و قبض الثمن و اقبضه ذلك المسلم فان قلنا بالصحة جاز لذلك المسلم قبض الثمن و الا فلا الثانية انه قال في (المسالك) و لو باعهم ليستعينوا به على قتال الكفار لم يحرم كما دلت عليه الرواية انتهى و مراده بالرواية رواية هند السراج حيث قال (عليه السلام) فيها احمل إليهم و بعهم فان اللّه يدفع بهم عدونا و عدوكم (انتهى) لكن يبقى هنا شيء و هو انه أورد عليه بعض من تأخر من موافقينا في أصل المسئلة بانا جعلنا المعيار في الحرمة حال المباينة و منهم من جعله حال قيام الحرب بالفعل و هو (رحمه الله) قد جعل المعيار حال الحرب أو التهيؤ و قصد المساعدة و الرواية لا تدلّ على استثناء البيع على أعداء الدين في حال مباينتهم لنا أو تهيّؤهم ليستعينوا به على قتال الكفار و انّما تدلّ على جوازه في حال عدم مباينتهم لنا و عدم تهيؤهم مع ان الغرض بعيد على تقدير المباينة و التهيؤ لان من يشتر السّلاح يستعين به في دفع عدوه (مطلقا) و لا يشتريه للاستعانة به على دفع عدو خاص أو نوع خاص
من الأعداء و يمكن تصوير الغرض فيما لو كان من عادتهم ان يحاربوا كل طائفة بنوع من السّلاح كما لو كان من عادتهم محاربة المسلمين بالسّيف و محاربة غيرهم بالخنجر اما ابتداء أو لكون ذلك من عادة الطائف المقابلة فيسلكوا مع كل من الطائفتين بمسلكه و دابه و امّا الدليل على الجواز فهو ان اخبار النهي لا تشمل المفروض فيبقى على أصالة الجواز و لا حاجة الى تصريح الرواية به لكن هذا يصحّح أصل المسئلة و لا يرفع الاشكال عن كلام (المسالك) أقول لا وجه لشيء من الإيرادين امّا الأول فلانه لا يشترط في المقيد ان يكون متصلا فهب ان الرواية الخاصة لا اشارة فيها الى التقييد بما ذكر لكن لا يلزمن ذلك انتفاء المقيدات الأخر أو عدم صلاحيتها للتقييد و امّا الثاني فلان ما ذكره في (المسالك) يتم على مذهبه من كون مناط الحرمة هو حال الحرب أو التهيؤ له أو قصد المساعدة فإذا كانت طائفة من الكفار متهيئة لقتال طائفة أخرى أو مشغولة بقتالها و باعهم ليستعينوا به على قتال خصمائهم جاز البيع الثالثة ان فقيه عصره (رحمه الله) قال في شرح القواعد لو حصلت معاملة لم يتعلق بها نهى لجهل أو تقية فالظاهر فسادها و لو انعكس الأمر بأن زعم العداوة أو الحرب و ليس الأمر (كذلك) فالظاهر الصحّة و ان عصى في ذلك انتهى و قال بعض من تأخر بصحة المعاملة في القسمين و هذا هو الصحيح على مذاقنا حيث قلنا بأن النهى انما هو لأمر خارج و هو تقوى الكفر كالبيع وقت النداء الموجب لتفويت الجمعة بل هنا اولى لارتفاع النهي في القسم الأوّل و كذا في الثاني بالنظر الى الواقع غاية ما في الباب انه تخيل وجود النهى فيكون اقدامه على المعاملة من باب التجري هذا و لكن ما ذكره (رحمه الله) يتم على مذاقه على ما يحكى عنه من كون النواهي في أمثال المقام للإرشاد لأنها على هذا التقدير تصير كاشفة عن مفسدة في متعلّق النهى و هي كونه فاسدا و على هذا فلا يتفاوت في وجود الفساد في متعلق النهى بين ان يعلم به المباشر للعاملة و بين ما ان لا يعلم لكن يبقى الكلام في ان الالتزام بالتحريم في الفرض الثاني لا وجه له إذا لم يكن النهي إلا للإرشاد و يمكن ان يقال ان التحريم انما هو للتشريع حتى اتى بما هو غير ممضى من جانب الشارع و ذكر بعض من تأخر انه بناء على كون سبب الفساد هو حرمة ذات المعاملة كما هو مسلك بعضهم يترتب عليه الفساد في صورة الجهل بالحرمة كما قلنا في النهي الإرشادي لان مبغوضية الذات المقتضية للفساد لا تزول بالجهل أقول هذا الكلام صحيح على تقدير تسليم الأصل لكن هو محل تأمل لأن مبغوضية الذات انما تدل على مبغوضية إيجادها و لا تدل على مبغوضية ترتب الأثر عليها نعم النهى عن ترتيب الأثر على المعاملة و كل ما يؤل الى هذا المعنى يقتضي فساد المعاملة و لا فرق فيه بين العلم و الجهل و تمام الكلام